كتاب اردني - مصري حول التنظيمات الجهادية يحظى باهتمام اعلامي لافت - للدكتور ذيب القرالة، والباحث المصري الدكتور كامل فتحي لعبة الوهم .. كتاب جديد للزميل الدكتور ذيب القرالة والدكتور كامل فتحي مستقبل داعش في الشرق الأوسط استراتيجية إيرانية جديدة للرد على التصعيد الأمريكي العراق ما بعد داعش العالم بأخطر لحظاته خلال ثلاثة عقود تفكيك مفهوم القوة- إعادة فتح الملف الإيراني" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وسيناريوهات المسارات السياسية البديلة أزمة قطع العلاقات مع قطر … إلى أين؟ عسكرة المياه كنمط للصراع في الشرق الأوسط هل عاد نصف مليون لاجئ إلى سوريا حقاً؟؟ نظرة وراء الأرقام وقف إطلاق النار والمصالح الأمريكية على الحدود الأردنية السورية مستقبل العلاقات الطائفية في الشرق الأوسط عرض كتاب ( المرأة في العالم العربي و تحديات الإسلام السياسي) من يصنع السياسة الخارجية في إدارة ترامب؟

القسم : اصداراتنا
نشر بتاريخ : Sun, 19 Feb 2017 01:58:30 GMT
النفط العربي في الإستراتيجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية ولغاية 2014


اعداد:  مركز المحترفون للدراسات والابحاث

لا يمكن لأي دارس للعلاقات الدولية , سواء الاقتصادية أو السياسية , أن يتجاهل دور النفط في السياسية الدولية , منذ بدايات القرن العشرين، ما جعل منطقة الخليج العربي هي المنطقة الإستراتيجية الأكثر أهمية في العالم.
وقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية, أن تربط سياسات دول المنطقة بسياساتها منذ وقت مبكر , بعد نهاية الحرب العالمية الثانية, وظلت الولايات المتحدة اللاعب الأساسي في تلك المنطقة، واصبحت مهيمنة على العلاقات الإستراتيجية والسياسية والعسكرية، واستطاعت أن تتأقلم مع كل الأوضاع, وتستفيد من معظم الصراعات التي مرت بها المنطقة. 
ويتناول الباحث من خلال هذا البحث, الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع ملف النفط العربي , منذ الحرب العالمية الثانية, ولغاية نهاية العام الماضي 2014.

(1) الأهمية الإستراتيجية للنفط:
تشكل مصادر الطاقة بشكل عام, عاملاً جديداً من عوامل الإنتاج، إلى جانب الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم, ويرتبط الاقتصاد العالمي الحديث في تقدمه وتطوره أشد الارتباط , بتوافر الطاقة بأشكالها المتعدّدة. (1)

وقد أدت الثورة الصناعية الثانية, إلى إحلال النفط محل الفحم, حيث أصبح النفط بمثابة العمود الفقري لمختلف قطاعات الإنتاج, في المجتمع الصناعي الحديث, وبدونه تتوقّف عجلة الحياة الاقتصادية وربما تُغلق الكثير من المصانع أبوابها، وينخفض الإنتاج الزراعي إلى معدَّلات مخيفة، وتُشلُّ القدرة العسكرية لأيّ دولة مهما كبرت, وذلك في حال نضوب النفط دون إيجاد مصدر بديل للطاقة. (2) 

ويظهر أثر النفط بدوره في كافة أبعاد النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري , إلى حدِّ يمكننا أن نقيس درجة ازدهار المجتمع وتقدُّمه بمقدار ما يستهلكه من النفط ومشتقّاته، فالحصول على النفط يشكّل الفارق بين اضمحلال مجتمع إنساني وازدهاره, والمحرك لشؤون الأمن العالمي, ويعتبر توفره في كثير من الدول من أولويات التخطيط للامن القومي. (3) 

فالازدياد المستمر لعدد سكّان العالم، وارتفاع مستوى المعيشة في الدول الصناعية المتقدَّمة، وتطوير البلدان النامية وتصنيعها، كل ذلك يتطلّب مزيداً من الطاقة، وتعتبر الطاقة النفطية - حتى الآن - أوفر وأسهل وأفضل أنواع الطاقة المستعملة لتشغيل الصناعات الحديثة، وتأمين المواصلات المعتمدة على السرعة، إلى جانب دورها في تحديث القطاع الزراعي وتنمية القطاع التجاري، لذلك فقد أصبحت علاقة وتبعيَّة المجتمع العصري حيال النفط , علاقة وثيقة جداً , واصبح استهلاك النفط معياراً للتقدم الاقتصادي في أي بلد من بلدان العالم, كونه مصدر الوقود الذي لا غنى عنه لمختلف وسائط النقل البرّية والبحرية والجوية والمحرك الرئيسي لعمليات الإنتاج والتصنيع. (4) 

وتظهر الإشكالية هنا, بالمفارقة الكبيرة بين نصيب الدول من الإستهلاك والإنتاج , ففي حين تعتبر الدول الصناعية , هي أكبر دول العالم استهلاكاً , إلا أنها في نفس الوقت أقلها إنتاجاً للنفط، وذلك على عكس الدول النامية، وقد ترتب على هذا التفاوت بين معدَّلات إنتاج النفط والطلب عليه , حركة تجارية عالمية جعلت من النفط السلعة الواحدة ذات الأهمّية العظمى في التجارة الدولية من حيث الحجم والقيمة النقدية. (5)

وتتضح هذه الإشكالية بالنظر إلى إعتبار النفط عنصراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه , في تأمين الخدمات الاجتماعية والحاجات الاستهلاكية الضرورية لكل مجتمع: كالمواصلات، والكهرباء، والتدفئة والتبريد، وغيرها من الحاجات المنزلية الأخرى، بالإضافة إلى ما تقدِّمه المنتجات النفطية من سلع أساسية لا بدّ من وجودها في حياة الإنسان العصرية، ويبقى للنفط الدور الأهّم حالياً في توليد الطاقة الكهربائية لكونه الوقود الأفضل من حيث الكلفة والمحافظة على نظافة البيئة. 

(2) النفط كأداة للتأثير السياسي:
تعتبر علاقة النفط بالسياسة علاقة قديمة , حيث تعود إلى تاريخ اكتشافه والتنقيب عنه من قبل الشركات المتعدِّدة الجنسية، إلاّ أن النفط أصبح محوراً في السياسة الدولية بعد أن حلَّ مكان الفحم كمصدر أساسي للطاقة، وأخذت دول العالم تعتمده بشكل متزايد في نموها وتطورها الاقتصادي، وكان كليمنصو قد أعلن أثناء الحرب العالمية الأولى "أن النفط ضروري كالدم" وكتب كوليدج رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1924 عند افتتاح اللجنة الفدرالية للنفط "أن تفوُّق الأمم يمكن أن يقرر بواسطة امتلاك النفط ومنتجاته"، وفي عام 1943 كتبت مجلّة "النفط والغاز" قائلة : "ليس سراً أن المؤتمرات التي عقدت في موسكو والقاهرة وطهران، والتي ناقشت الخطط الخاصّة بما بعد الحرب، قد تعرضت أيضاً إلى مستقبل النفط ومسألة توزيعه"، ويعتقد ساسة الولايات المتحدة "أن النفط هو الإنتاج العالمي الذي يجب أن يُبنى على أساسه السلام".(6)

ولقد أدى التوزيع غير المتساوي للثروة النفطية في العالم إلى إعتبار النفط وكيفية الحصول عليه هدفاً من أهداف التخطيط السياسي والاستراتيجي لدول العالم الصناعي، وأصبحت المناطق الغنية بهذه المادة الحيوية كالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتل مركز الصدارة في العلاقات الدولية. (7)

فهناك بلدان صغيرة ليست لها قوّة سياسية أو عسكرية,  تمتلك احتياطياً كبيراً من النفط، في حين أن معظم الدول الصناعية الكبرى، باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي السابق، محرومة منه, وتبعاً لذلك بدأ مفهوم سياسة امن النفط بالظهور وشكل اهمية كبرى لدى المخططين والمنظرين. (8)

وقد إزدادت الأهمية السياسية للنفط , بسبب الاستعمال الجديد له في الأغراض الصناعية والعسكرية، مما دفع الدول الصناعية إلى التنافس من أجل الحصول على النصيب الأكبر من الامتيازات النفطية، وكان ذلك خلال فترة الإستعمار، ورغم إنتهاء الاستعمار، وتغير الوضع السياسي للبلدان المنتِجة للنفط بعد سيطرتها على ثرواتها النفطية، ورغم المحاولات المستمرّة لتطوير مصادر الطاقة البديلة، يبقى النفط عاملاً مؤثراً في السياسة الدولية المعاصرة، فحاجة الدول الصناعية إلى هذا النوع من الطاقة المتعدّدة الاستعمال جعلت النفط يدخل في صلب سياساتها الخارجية, كما أن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه الوطن العربي لا يمكن أن تتم بمعزل عن موضوع النفط الذي تعتبره مادة إستراتيجية لأمنها القومي. (9)

ويمكن البرهنة على الأهمية الكبيرة للنفط , من خلال دراسة التنافس الدولي بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة، وقد ظل النفط حاضراً في الصراعات السياسية في منطقة الشرق الأوسط , فيما يتعلق بالصراع العربي - الإسرائيلي، وأزمة السويس عام 1956، مروراً بحرب 1967، ثم حرب أكتوبر 1973، إلى الحرب العراقية - الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج الثانية عام 1991، وحرب الخليج الثالثة واحتلال العراق عام 2003. (10) 

ويمكن القول أن النفط في كل تلك الحروب كان عنوانها الأكبر وهدفها المعلن والخفي حتى أُطلق عليها تسمية "حروب النفط"، وحتى بعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، لم يغب النفط عن المشروعات الأمريكية في المنطقة , خصوصاً مع الحرب الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المسمى "داعش".

(3) تطور اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالنفط العربي:

ظلت الولايات المتحدة الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية , تتبع في المنطقة العربية سياسة مبنية على أساس حماية حقوقها التجارية وعدم التورط سياسياً في بلاد اعتبرتها منطقة نفوذ أوروبي، إلا أنها أخذت منذ دخولها الحرب إلى جانب الحلفاء تبحث لنفسها عن سياسة جديدة تجاه المنطقة، وقد بدأت هذه السياسة بتقديم الإمدادات والخدمات العسكرية والمدنية اللازمة لبلدان تلك المنطقة، كما زادت من حجم وجودها العسكري في الخليج لمد القوات السوفياتية بالعون عبر إيران. (11)

وبالتالي فقد أدت الحرب العالمية الثانية , إلى تدعيمً أهمية النفط الاستراتيجية وتعاظم دوره في حياة الأمم، حيث قام النفط بدور بارز في حسم المعارك لمصلحة الحلفاء، وبات واضحاً أن مركز الثقل في صناعة النفط العالمية انتقل من نصف الكرة الغربي إلى قلب العالم العربي، وأن من يملك هذه الموارد يمسك بزمام السياسة الدولية، وتنبهت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا الأمر، وأيقنت أنه يجب تغيير سياستها الخاصة بالمنطقة العربية، حيث أدت الحرب العالمية الثانية إلى زيادة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وعمدت من خلاله إلى دعم مصالحها النفطية في السعودية والبحرين والتطلع نحو أقطار الجزيرة العربية الغنية بالنفط بعد أن بدأ مخزونها النفطي بالانخفاض، حيث أعلن الرئيس الأمريكي روزفلت عام 1943 " أن السعودية أصبحت من الآن فصاعداً ذات ضرورة حيوية للأمن القومي الأمريكي". (12)

وكان من نتائج الظهور الأمريكي في منطقة الخليج -  خصوصاً في المملكة العربية السعودية -  ظهور تنافس أمريكي - بريطاني فقد أدركت بريطانيا أنه لا يمكن تجاوز المصالح الأمريكية في المنطقة، لا سيّما بعد أن أصبحت الولايات المتحدة ذات نفوذ اقتصادي وعسكري لا يستهان به في الخليج، ورفض الكونغرس الأمريكي أية تسويات مع بريطانيا بشان النفط تحت ضغط الشركات الأمريكية المستقلة، وبذلك لم تلتزم أمريكا بشيء نحو بريطانيا، بل راحت تفرض سياستها الخاصة للسيطرة على المنطقة العربية وثرواتها النفطية، وتمكّنت شركات " الشقيقات السبع " من تقسيم المنطقة نفطياً رغم السيطرة البريطانية السياسية والعسكرية عليها حتى الخمسينات، وحصلت على عقود الامتياز التي غطّت كل المنطقة تقريباً. (13)

ومع صراع القطبية الثنائية بين الولايات المتحدة الامريكية والإتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة, امتد هذا الصراع إلى منطقة الشرق الأوسط وقلبها العالم العربي لسببين رئيسيين هما موقعها الجغرافي المميّز , وثروتها النفطية الهائلة، حيث أصبح النفط عنصراً من عناصر هذا الصراع بل هدفاً من أهدافه، فقد أثبتت هذه المادة الاستراتيجية أنها مصدر القوة العسكرية والاقتصادية في العالم، واعتبر الاستراتيجيون إن البترول هو المحرك الجبّار للقوة الأمريكية التي برزت في نهاية القرن التاسع عشر، وتقدمت إلى قيادة العالم حتى بلغت أوج صعودها عند منتصف القرن العشرين، وساهم في صعود الاتحاد السوفيتي كقطب ثاني.(14)

عمدت الولايات المتحدة إلى تطويق منطقة الشرق الأوسط بأحلاف ومعاهدات ومواثيق متعددة, كما عمدت إلى دعم إسرائيل واعتبرتها حارسها الأمين في قلب العالم العربي من أجل حماية النفط الذي أصبح هدفاً استراتيجياً ثابتاً في سياستها الشرق أوسطية.(15)

ففي عام 1947 أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان بيان سياسي عرف بـ" مبدأ ترومان" يُلزم فيه الولايات المتحدة تحمل مسؤوليات سياسية وأمنية مباشرة في الشرق الأوسط تحفظ بها مصالحها النفطية، وتنفيذاً لهذا المبدأ ,ربطت الولايات المتحدة ,المساعدات العسكرية والاقتصادية, التي تقدّمها لدول المنطقة , بالتزام هذه الدول باستراتيجيتها العامّة المعادية لسياسة التوسّع السوفياتي. (16) وكان التطبيق الأمثل لمبدأ ترومان في الشرق الأوسط هو دعم دولة إسرائيل المستمر لبقائها واستمرارها كخط دفاع أول لحماية مصالح امريكا النفطية ضد الخطر السوفياتي وقوى التحرر العربي، وتجسَّد المبدأ أيضاً في مساعي أمريكا لربط المنطقة بسلسلة من الأحلاف والتكتلات ومعاهدات الدفاع المشترك. (17)

وبعد فشل هذا المشروع، سعت الولايات المتحدة إلى إقامة "حلف بغداد" عام 1955، الذي كان مؤلفاً في الأساس من تركيا والعراق وبريطانيا, ثم انضمّت إليه تباعاً باكستان وإيران، واكتفت الولايات المتحدة بدور المراقب لاعتبارات محلية، وقد سقط حلف بغداد أيضاً نتيجة معاداة العرب للغرب, ومعارضة الاتحاد السوفياتي لهذا الحلف وعندما قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بالهجوم على مصر في أكتوبر1956 وهو ما عرف بـ "حرب السويس" سارعت الولايات المتحدة الى العمل على إيقاف الهجوم وسحب القوات المعتدية من السويس، وهكذا جاء فشل العدوان الثلاثي إيذاناً بنهاية النفوذ الاستراتيجي لكل من بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط ، وحلول الولايات المتحدة كوصي على المصالح الغربية في تلك المنطقة(18). 

وفي عام 1957 أعلن الكونغرس الأمريكي, الموافقة على مبدأ إيزنهاور الذي خوّل الرئيس الأمريكي سلطة تقديم مساعدات عسكرية، بما في ذلك استخدام القوات المسلحة الأمريكية، إلى أي دولة أو مجموعة دول في المنطقة لضمان حماية وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي عند تعرّضها لأي عدوان مسلح من أيّ دولة تسيطر عليها الشيوعية، وكان هذا المبدأ بمثابة تحذير موجّه بصورة خاصة إلى الاتحاد السوفياتي لمنعه من التدخل في الشرق الأوسط وإرباك مصالح أمريكا الاقتصادية والاستراتيجية.

ومما لا شك فيه أن هذا المبدأ كان في أحد جوانبه المهمّة, يمثّل محاولة لدعم الأمن القومي للولايات المتحدة ومصالحها النفطية في المنطقة عقب فشل حلف بغداد والهزيمة السياسية للحلفاء في حرب السويس, وانطوى المبدأ أيضاً على عزم أمريكا على ملء "فراغ القوة" الذي نجم عن انهيار النفوذ البريطاني والفرنسي، وذلك بغية تأمين الاستقرار لمنطقة الشرق الأوسط وإبعاد التدخل السوفيتي عنها, وأدّى مبدأ إيزنهاور إلى شقّ الصف العربي بين مؤيّد ومعارض، ورأت الولايات المتحدة ضرورة إبقاء الدول المنتجة للنفط خارج نطاق أي تقارب عربي، ولو باستخدام القوة إذا لزم الأمر. (19)

مع تولي ليندون جنسون الحكم في الولايات المتحدة, ازداد التعاون الاستراتيجي الوثيق بين إسرائيل والولايات المتحدة، وتمكنت إسرائيل من إقناع الإدارة الأمريكية بأن إغلاق قناة السويس بالحرب في ذلك الوقت يحقق المصالح الأمريكية ,لأنه يحرم الاتحاد السوفياتي من التسلل إلى إفريقيا وينهي التهديد المصري لمنطقة الخليج وبترولها, وعندما أعلنت القيادة المصرية قرارها بإغلاق خليج العقبة , وهو الشريان الحيوي لإمداد إسرائيل بالبترول، تلقّت إسرائيل القرار المصري وحوّلته إلى قضية منع حرية الملاحة في خليج العقبة، وأيّدتها بذلك كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وكان من نتائج هذه الأزمة أن شنت إسرائيل في يونيو 1967 حرباً خاطفة ضد مصر وسوريا والأردن أسفرت عن هزيمة الدول العربية الثلاث، وفشلت آنذاك إجراءات حظر النفط العربي ضد الدول المساندة لإسرائيل، وأدّت حرب حزيران 1967 إلى تقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة وتعاظم النفوذ السوفياتي كنتيجة لارتباط أمريكا الوثيق بإسرائيل ومساندة روسيا للقضايا العربية.

حينما تولّى الرئيس ريتشارد نيكسون مقاليد السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1969، تصاعد الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط, وخاصة منطقة الخليج العربي بعد أن تأكدت الإدارة الأمريكية من حاجتها المتزايدة إلى النفط العربي, لتلبية استهلاكها الداخلي المرتفع , وفقاً لتقارير الخبراء النفطيين, وكان لقرار الحكومة البريطانية بتصفية وجودها العسكري في الخليج وقع كبير على إدارة نيكسون, التي سارعت إلى ملء الفراغ بإرسال قواتها البحرية لتأمين مصالحها النفطية, وتشجيع الأنظمة المحلية الموالية لأمريكا على المساهمة في تأمين هذه المصالح, واتخذت هذه الخطوات وفقاً لـ "مبدأ نيكسون" الذي أُعلن عنه في مؤتمر صحافي عُقد في يونيو 1969، وجاء فيه: "إن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة لتقديم المساعدات العسكرية للدول التي تتعرّض للتهديد والعدوان إذا أرادت هذه الدول أن تتحمّل مسؤولية الدفاع عن نفسها" . (20)

(4) أثر حرب أكتوبر1973 على الاستراتجية الأمريكية الخاصة بالنفط 

ارتبط الصراع العربي- الإسرائيلي بنشوء الصراع بين الدول العربية والقوى الاستعمارية الطامعة بأراضيها وثرواتها ومستقبلها, فمن المعروف أن المطامع الصهيونية في فلسطين كانت ترعاها الدول الغربية, التي كانت تعتقد أن إقامة كيان صهيوني في هذه المنطقة الحسّاسة من العالم, يخدم مصالح الغرب التي تمثّلت في بادئ الأمر بالدفاع عن طرق المواصلات بين الشرق والغرب, وقد حرص القادة الصهاينة دائماً على إبقاء مشروعهم السياسيّ والاستيطاني في فلك هذه المصالح, لذلك فإن وعد بلفور لعام 1917 ومن ثمّ تأسيس الدولة اليهودية في عام 1948 في فلسطين لم يكونا بعيدين عن هذا التوجّه, وعندما أخذ النفط يحتلّ موقعاً أساسياً في شبكة مصالح الغرب منذ أوائل الخمسينات، بدأت مسألة السيطرة على منابعه وحماية إمداداته تشكّل جوهر السياسة الغربية عامة والأمريكية خاصة.(21)

وتعتبر حرب أكتوبر 1973 المناسبة الأولى التي يتم فيها توظيف سلاح النفط بفاعلية خطيرة, كسلاح سياسي لخدمة قضية العرب القومية، بعد أن كان مجرد سلاح تهدّد به الدول النفطية الدول الغربية المستهلكة للنفط بغية تحسين أوضاعها الاقتصادية. لقد فاجأ سلاح النفط العالم أجمع وأحدث ارتباكاً في العلاقات الدولية بحيث أصبح محور الصراع بين الحكومات العربية والحكومات الغربية, وذلك نتيجة للاعتبارات التالية: (22)

أ. لقد هزّ سلاح النفط الأوضاع الاقتصادية في الدول الصناعية التي تناولها الحظر خلال فترة تنفيذه, فالتخفيض التدريجي في الإنتاج بنسبة 5 % شهرياً، إلى جانب الحظر الشامل في تصدير النفط العربي إلى كل من الولايات المتحدة وهولندا بسبب انحيازها الفاضح لإسرائيل، كل ذلك أحدث خللاً مفاجئاً في أسواق النفط العالمية، وقد كان لتخفيض الإنتاج تأثير كبير على الاقتصاد الدولي قياساً على النموّ السريع لاستهلاك العالم من النفط. 

ب. أدى الارتفاع الجنوني للأسعار , إلى تفاقم المشاكل والصعوبات الاقتصادية في وجه الدول المستهلكة, لذلك كان لقرار حظر النفط العربي آثار سلبية على الاقتصاد الأمريكي من ضمنها تسريح 250 ألف أمريكي من العمل خلال فترة الحظر، بينهم 80 ألفاً من صناعة السيارات و 15 ألفاً من موظفي شركات الطيران، والآلاف من مستخدمي الفنادق والمطاعم.

جـ.  احدث سلاح النفط انخفاضاً في الناتج القومي الأمريكي بلغ حوالي 6,3 % خلال أثناء الربع الأول من عام 1974, ثم أدّت زيادة أسعار النفط المستورد إلى عجز في الميزان التجاري الأمريكي خلال شهر أبريل بلغ حوالي 171.3 مليون دولار، بالإضافة إلى ذلك أدّى الارتفاع المتزايد في أسعار النفط إلى زيادة أسعار كل المنتجات البتروكيمائية ومعها ارتفعت سائر المنتجات والسلع الاستهلاكية الأخرى. (23)

ولقد امتدت الأثار الاقتصادية لسلاح النفط إلى المجال السياسي، فالارتباط بين السياسة والاقتصاد أمر طبيعي، فعلى المستوى الإقليمي تمثّلت هذه المتغيّرات بظهور التضامن العربي , حيث وقفت الأقطار العربية النفطية إلى جانب دول المواجهة في موقف واحد تجسّد باستخدام سلاح النفط في المعركة, وقد أقلق هذا التضامن الولايات المتحدة التي كانت تفصل بين النفط والصراع العربي- الإسرائيلي من جهة وبين سياستها تجاه الدول النفطية وبقية الدول العربية من جهة أخرى, كما افزع الولايات المتحدة أيضاً إقدام الدول العربية النفطية بالتنسيق مع منظّمة الأوبك على تخفيض الإنتاج ووقف تصديره ورفع أسعاره بقرار منفرد, بعد أن كانت حتى ذلك الوقت تعتقد بأنها تسيطر على معظم صناعة النفط العربي. أما على الصعيد الدولي، فقد أحدث حظر النفط العربي اهتزازاً في علاقات دول حلف الأطلسي إلى حدٍّ دفع ببعض هذه الدول إلى الاستقلال بسياساتها عن الولايات المتحدة تأميناً لمصالحها النفطية. (24)

ولقد كشفت حرب أكتوبر1973 وما رافقها من حظر للنفط العربي, عن مجموعة من الحقائق لم يعد بالإمكان تجاهلها من قبل الدول الغربية عامة والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك فقد اعتمدت الإدارة الأمريكية خلال عهدي نيكسون وفورد على سياسة ذات وجهين: الأول تأمين الاستقرار في منطقة الخليج لذا اهتمّت السياسة الأمريكية بإنشاء القواعد العسكرية والحصول على التسهيلات البحرية في منطقة الخليج كأداة لتأمين مصالحها وتحقيق أهدافها وعمدت إلى تعزيز وجودها العسكري في قاعدة "الجفير" في البحرين وفي جزيرة "مصيرة" التابعة لسلطنة عُمان والتي تتحكَّم في منطقة الخليج بأكملها، والثاني السعي لتحقيق تسوية سلمية أمريكية للصراع العربي- الإسرائيلي. ففي الخليج، نظر إلى كل من السعودية وإيران في ظل حكم الشاه على أنهما دولتان تمثلان نقطتي الارتكاز في تأمين الاستقرار الإقليمي في منطقة الخليج, فإيران بالنسبة إلى الولايات المتحدة تمثّل خط المواجهة الأول مع الاتحاد السوفياتي وتمنع تغلغل السوفيات ومناصرتهم للحركات الوطنية في تلك المنطقة, لذلك ركزت الولايات المتحدة على تقوية إيران عسكرياً فوثّقت علاقاتها بها وأغدقت عليها السلاح المتطور حتى باتت تشكل "شرطي الخليج" الذي تولى حماية المصالح الأمريكية والغربية، أمّا السعودية، فتنبع أهميتها من اعتبارها القوة العربية بعد العراق التي تتمتع بنفوذ سياسي واسع ضمن المنطقة العربية بسبب إمكاناتها المالية والنفطية ومركزها الديني في العالم الإسلامي, فهي تستطيع أن تقوم بدورٍ مهمّ في المحافظة على الاستقرار نظراً لعلاقاتها المميزة مع مصر وبقية أقطار الخليج, من هنا اعتمدت الولايات المتحدة على هاتين الركيزتين كأساس لتأمين الاستقرار في المنطقة وحماية مصالحها النفطية. (25)

وفي النصف الثاني من عقد السبعينات، شهدت منطقة الخليج وجوارها أحداثاً فاجأت الولايات المتحدة بأخطارها على أمن الإمدادات النفطية للغرب, وقد صُنِّفت هذه الأخطار من وجهة النظر الأمريكية بأخطار ناجمة عن أحداث داخلية وأخرى مصدرها التدخلات والتهديدات الخارجية, وتمثّلت هذه الأخطار في المشاكل الناتجة عن عدم الاستقرار السياسي في أقطار الخليج وغيرها من الأقطار العربية، وفي المنازعات الحدودية بين تلك الدول كالنزاع بين العراق وإيران حول شط العرب، والنزاع العراقي- الكويتي حول سيادة الكويت، والخلاف بين البحرين وقطر حول ملكية الجزر المجاورة، ثم الخلاف السعودي- اليمني وغيرها من النزاعات المحلية التي من شأنها أن تهدِّد استمرار تدفق النفط من الخليج. (26)

ولقد كان الاتحاد السوفياتي مصدر الأخطار الخارجية من وجهة النظر الامريكية على نفط الخليج وطرق إمداداته, ويعود السبب برأيهم إلى التحرّكات السوفيتية في المنطقة الممتدة من باكستان حتى أثيوبيا والتي أطلق عليها الأمريكيون لاحقاً "قوس الأزمات" . وقد تمثّلت هذه التحركات بتأييد السوفيت للقوى السياسية المناهضة للولايات المتحدة في تلك البلدان , والنجاح الذي حقّقته تلك القوى بتسلّم السلطة وإقامة علاقات ودّية مع الاتحاد السوفياتي، وهذا ما حصل في أثيوبيا والصومال واليمن الجنوبية وغيرها من الدول، مما أتاح للأسطول السوفيتي حرية الحركة في البحر الأحمر والمحيط الهندي والخليج العربي واكتساب القواعد العسكرية والموانئ البحرية, هذا الأمر أثار المخاوف لدى الدوائر الغربية من احتمال إقدام السوفيت على تهديد خطوط الإمدادات النفطية من الخليج إلى الدول الصناعية. (27)

(5) الثورة الإيرانية وحرب الخليج الأولى:

شعرت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث عام 1979 أن مصالحها النفطية في منطقة الخليج العربي أصبحت مهدّدة بالأخطار، وأن استراتيجيتها التي ارتكزت على حلفائها المحلّيين قد فشلت بعد سقوط شاه إيران، أهم دعائم هذه الاستراتيجية, وعلى الجانب الآخر، أخفقت الإدارة الأمريكية في تسويق اتفاقات كامب دايفيد ومن بعدها الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل كخطوة لحل الصراع العربي- الإسرائيلي. 

أصبح النفط وطرق نقله مهددة بالأخطار من جوانب متعددة: الخطر السوفياتي الذي اقترب من الحقول النفطية وبات يهدد أهم معابر نفط الخليج كمضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس وغيرها من خطوط الناقلات, ثم خطر النظام الإيراني الجديد الذي ناصب الولايات المتحدة العداء وقطع نفطه عنها، وخطر تفاقم الصراع العربي- الإسرائيلي واحتمال حدوث حظر نفطي جديد تتّخذه الدول المنتجة بسبب الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها من قبل الفلسطينيين والإيرانيين, المنتشرين في أقطار الخليج إن لم نقل قيامهم بأعمال تخريبية ضد المنشآت النفطية, وأخيراً اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في أيلول (سبتمبر) 1980، وأدت هذه الأحداث المتعاقبة إلى عودة التفكير السياسي الأمريكي إلى فكرة التدخل العسكري المباشر مع دعم الولايات المتحدة لقوة حلفائها الإقليميين (اسرائيل، مصر، والسعودية). وقد انكبّت الإدارة الأمريكية على دراسة التقارير والأبحاث والصيغ الصادرة عن مراكز الأبحاث في موضوع التدخل المباشر إلى أن تبلورت الفكرة في ما سُمِّي بـ "مبدأ كارتر" وجاء فيه إن أي محاولة من أي قوة خارجية للسيطرة على منطقة الخليج العربي، ستُعتبر تهديداً للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ، وستُستخدم كل الوسائل الضرورية للردّ عليها، بما في ذلك القوة العسكرية". (28) 

(6) الغزو العراقي للكويت:

لا شك في أن الأزمة العراقية- الكويتية عام 1990 هي واحدة من الأزمات ذات العلاقة الوثيقة بالمشكلات الحدودية التي زرعها المستعمر بين بلدان المنطقة ولم تحسم جذرياً حتى الآن, والنزاعات الحدودية التي تعتبر جزءاً من الإرث الاستعماري وضعتها الدول الغربية لضمان هيمنتها على النفط العربي بحيث تثيرها وتستغلها كلما شعرت بأن مصالحها النفطية معرَّضة للتهديد أو الخطر, فالنفط كان وما زال عاملاً مهماً من عوامل عدم الاستقرار في الخليج العربي, صحيح أنه مصدر الثروة والغنى لشعوب تلك المنطقة، إلا أنه أيضاً مصدر العديد من المتاعب وسبَّب الكثير من النزاعات والخلافات، بما في ذلك الخلاف العراقي - الكويتي الذي هو في صميمه خلاف نفطي. وإذا كان تاريخ العلاقات العراقية- الكويتية يتسم بالتوتر والنزاع الدائم بسبب مسألة الحدود العالقة، فإن هذه العلاقات عرفت نوعاً من الهدوء والاستقرار خلال فترة حرب الخليج الأولى نتيجة وقوف الكويت إلى جانب العراق في تلك المرحلة, لكن الصراع بين البلدين ما لبث أن عاد إلى الظهور في فترة ما بعد الحرب، فتداخلت فيه عوامل التاريخ والجغرافيا والبترول. (29)

أن العامل النفطي كان المحور الرئيسي في هذه الأزمة التي استغلّتها الولايات المتحدة عن طريق توسيع هوّة الخلاف بين الجانبين خدمة لمصالحها وأهدافها,  فليس من المستبعد وقوف الولايات المتحدة وراء سياسة الكويت النفطية خلال تلك الفترة ، وحثّها على عدم التنازل عن دينها المستحق على العراق ومطالبته مجدداً بإعادة رسم الحدود بين البلدين, وفي المقابل أعلنت السفيرة الأمريكية في العراق "أبريل غلاسبي" في أثناء لقائها مع الرئيس صدّام حسين في 25 يوليو 1990 أن الولايات المتحدة تعتبر الخلاف العراقي- الكويتي نزاعاً داخلياً لا يعنيها طالما أنه لا يمسّ مصالحها النفطية في المنطقة, وقد فسّر العراق هذا القول بأنه موافقة أميركية ضمنيّة على الموقف العراقي. (30) 

على الرغم من محاولات الولايات المتحدة تنويع مصادرها , وباعتمادها على النفط المنتج من نصف الكره الغربي (فنزويلا والمكسيك وكندا) بالإضافة إلى روسيا ونيجيريا , إلا أن الولايات المتحدة لا تنظر لنفط الخليج كنفط في حد ذاته, بقدر ما هو أداة لتدعيم المكانة العالمية؛ فهي تنظر لنفط الخليج من منطلق ضمان تأكيد الهيمنة الجديدة التي تسعى لتدشينها، فالسيطرة على الخليج العربي تعني السيطرة على أوروبا واليابان والصين، وحسب قول ميتشال كارل في كتاب حرب المارد" إنها تضع أيدينا على صنبور من النفط"(31).

فبعد أن تحول النظام العالمي إلى القطبية الاحادية بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 أصبحت الولايات المتحدة تتعامل مع الواقع السياسي الدولي, بشكل مختلف حيث تخلت عن سياسات حقبة السيولة العالمية التي امتدت على مدار عقد التسعينيات، والنزوع نحو الوضع الأمريكي الجديد القائم على القوة القطبية الواحدة، والإعلان عن الولوج في "القرن الأمريكي الجديد, وهو ما يعني تغيير الأدوات والإستراتيجيات المؤدية إلى ذلك وفقًا لمتطلبات هذه المرحلة، وبالتالي التحول عن سياسة الاحتواء المزدوج التي فشلت في التعامل مع العراق على مدار أكثر من عقد إلى إتباع سياسة الاقتلاع من الجذور وفق الحكمة الشهيرة "الوقاية خير من العلاج" أو حسب المنهج الوقائي الأمريكي الجديد. (32)

فالولايات المتحدة الأمريكية, لا تشعر بالقلق تجاه التقدم الحاصل في الحركة الصناعية لكل من الصين والهند ما دامت الولايات المتحدة تسيطر على حقول نفط الشرق الأوسط، وتسيطر على الصمامات القادرة على إغلاق إمدادات النفط لهذه الدول، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بقواعد عسكرية وتتحكم بطرق شحن النفط، بدءاً من الخليج وانتهاءً بالصين، كما لم تغفل الولايات المتحدة عن وضع قواعد في أفغانستان المجاورة لكل من الصين والهند ونفط بحر قزوين، وما سيواجهه العالم وفي وقت غير بعيد، هو نهاية وفرة النفط الرخيص الذي تعتمد عليه جميع الدول الصناعية” حيث إن حجم العرض من النفط التقليدي لن يكون كافياً لتلبية الطلب عليه خلال السنوات العشر القادمة. (33)

(7) الغزو الأمريكي للعر ق 2003:
أدت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 إلى المزيد من التدهور في الأداء الاقتصادي الأمريكي من ناحيتين رئيسيين الأولى: تتمثل فيما سببته هذه الهجمات من انعكاسات سلبية على حركة التجارة والاستثمار والسياحة، كما أن الإجراءات الأمنية والسياسية التي أقدمت عليها إدارة جورج بوش في الولايات المتحدة في ذلك الوقت مثل عسكرة الاقتصاد، وإعطاء المزيد من السلطات للأجهزة الأمنية وإنشاء وزارة جديدة للأمن الداخلي تسببت في زيادة حدة الأزمة الاقتصادية في الولايات المتحدة (34).

أما من الناحية الثانية فتتمثل الأعباء الاقتصادية المتزايدة لتكلفة الحرب الأمريكية على ما يسمى بالإرهاب , بدءًا من الحرب على أفغانستان مرورًا بازدياد الإنفاق على قضايا الأمن الداخلي في الولايات المتحدة ذاتها وصولا إلى الحرب على العراق، وهو ما أدى إلى أن بلغ عجز الموازنة عام 2003 إلى 32 تريليون دولار وبلغت نسبة البطالة نحو أكثر من 6% وهو ما يمثل حالة غير مسبوقة في الاقتصاد الامريكي منذ فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات(35).

وقد ركزت الإدارة الأمريكية منذ البداية على أن احتلال العراق يحقق عددًا من المكاسب الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما السيطرة على النفط العراقي، فإنه من المعروف أن الطفرة الاقتصادية الضخمة التي كان الاقتصاد الأمريكي قد شهدها في عهد الرئيس بيل كلينتون، وبالذات خلال النصف الثاني من التسعينيات قد بدأت في التآكل السريع منذ بداية عهد الرئيس جورج بوش ,لا سيما منذ إعلانه عن التوسع في الإنفاق الحكومي وبالذات في مجال الإنفاق العسكري وإعلان برنامجه عن خفض الضرائب (36).

وتأسيسًا على ذلك، تتضح أهمية النفط العراقي في أجندة أولويات الإدارة الأمريكية, والذي بات مصلحة قومية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة، وما يزيد من ذلك أن النفط العراقي يتميز بالعديد من المزايا، أبرزها أن استخراجه يعتبر أقل تكلفة وأعلى جودة من جميع الدول المنتجة، نظرًا لوجوده على مسافات قريبة من سطح البحر مقارنة بالدول الأخرى، مما يؤدي إلى خفض تكلفة استخراجه، حيث لا تزيد تكلفة استخراج البرميل الواحد في العراق عن خمسة دولارات، في حين أن هذه التكلفة في الولايات المتحدة تصل إلى خمسة عشر دولارًا (37).

ومن هنا كان النفط هو المحرك الرئيس لحرب الخليج الثالثة، بوصفه عنصرًا أساسيًا في إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وظل كذلك العامل الأهم والأكثر تأثيرًا في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي على مختلف المستويات عراقيًا وإقليميًا ودوليًا، ومنطقة الخليج العربي هي مركز الثقل النفطي العالمي، وأكثر ما يميز النفط الخليجي هو غزارته التي يعتمد عليها العالم وبخاصة العالم الصناعي، فالنفط هو المصدر الأول للطاقة في العالم، والعالم يستهلك أكثر من 70 مليون برميل من النفط يوميًا، ودول الخليج العربي تنتج نحو 15 مليون برميل من النفط يوميًا حسب إحصاءات 2003، وانتجت 30 مليون برميل يوميًا عام2010، وسيصل إنتاجها إلى 45 مليون برميل يوميًا عام 2020، هذا في الوقت الذي تشير فيه الحقائق , إلى أن النفط في كل أنحاء العالم يتراجع ويتناقص يومًا بعد يوم، فيما عدا نفط الخليج الذي يزداد عامًا بعد عام، حيث بلغ احتياطي النفط الخليجي عام 2002 نحو 685.6 مليار برميل، وارتفع عام 2003 ليبلغ 700 مليار برميل من النفط الخام، أي 66% من جملة الاحتياطي العالمي من النفط البالغ 1047.71 مليار برميل(38).

ويمكن أن ينعكس الارتباط الوثيق بين الاقتصاد الأمريكي، والخليجي سلبًا على دول مجلس التعاون الأخرى، فالصادرات النفطية تمثل المصدر الرئيس للدخل في دول مجلس التعاون، حيث تسهم بنحو 80 - 90% من إجمالي صادراتها للعالم، ونحو 75% من مجموع إيراداتها العامة، يتم تسعيرها بالدولار الأمريكي، مما يجعل الخسائر التي تتكبدها دول مجلس التعاون أمام العملات الأخرى بمثابة خسائر للإيرادات الخليجية، فعلى سبيل المثال ألقي مسلسل الهبوط التدريجي الذي تعرض له الدولار الأمريكي مقابل العملات الرئيسية في العالم كاليورو والجنيه الإسترليني، والذي أفقده 36% من قيمته في عامي 2002و 2003 بآثار سلبية على اقتصادات معظم دول الخليج المصدرة للنفط فالعوائد النفطية التي حققتها دول المجلس، والتي ارتفعت من 120 مليار دولار عام 2002، لتصبح عام 2003 نحو 140 مليار دولار تبخر جزء كبير منها، بسبب انخفاض قيمة الدولار بل وإذا حسبنا القيمة الحقيقية للتغير في السعر مع التغير في قيمة الدولار سنجد أنها حققت  عجزًا قيمته 12% أي ما يعادل 30 مليار دولار(39).

(8) أزمة انخفاض أسعار النفط 2014
مع منتصف عام 2014 بدأت أسعار النفط في الهبوط الحاد، والمستمر منذ يونيه 2014، وقد تناول الخبراء والمحللون أزمة النفط بالبحث والدراسة، وأرجعوا الأزمة الحالية في قطاع النفط إلى العديد من الأسباب، التي تتوزع بين سياسية واقتصادية، مع ترجيح السياسية منها بشكل كبير، ويمكن اجمالها بما يلي: (40)
- زيادة إنتاج الولايات المتحدة الأمريكية في مجال النفط: فقد ساهمت طفرة الطاقة في أمريكا الشمالية في زيادة إمدادات النفط العالمية، حيث شهدت صناعة النفط والغاز في ولاية (داكوتا الشمالية، تكساس، لويزيانا، أوكلاهوما وغيرها) توسعات رئيسة في جميع نواحي النفط الصخري.

- انكماش الاستهلاك العالمي, فرغم أن الكثير من المحللين والمختصين توقعوا ارتفاع أسعار النفط بسبب الأزمات والتوترات السياسية في المنطقة، إلا أنه قد حدث انخفاض في النمو في الصين واليابان وضعف في النمو في أوروبا وخاصة المانيا.

- انتشار ونمو السوق السوداء لتجارة النفط حيث تبيع إيران إنتاجها من النفط في هذه السوق للالتفاف على العقوبات الدولية، والأمر نفسه بالنسبة للجماعات التي تسيطر على حقول نفطية في ليبيا، يضاف إلى ذلك تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي يسيطر على حقول نفطية في سوريا والعراق؛ حيث يحقق مكاسب مالية تقدر بملايين الدولارات شهريًّا من تجارة النفط في السوق السوداء، والتي تعد أحد أهم مصادر تمويل التنظيم. (41)

- لم تكن الزيادة الأمريكية في إنتاج النفط - والتي تزامنت أيضًا مع زيادة في الإنتاج الكندي والروسي-  ذات تأثير كبير على الأسعار العالمية في البداية ، لأنه في الوقت نفسه بالضبط، كانت هناك صراعات جيوسياسية تشتعل في مناطق إنتاج النفط الرئيسية، حيث كانت هناك حرب في ليبيا، وفوضى في العراق ، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات نفطية على إيران ولجمت صادرات طهران، تلك الصراعات ساهمت بتقليص 3 ملايين برميل يوميًا من حصة السوق العالمي، لكن الأمور تغيرت مرة أخرى في سبتمبر 2014، حيث بدأت تلك الاضطرابات تخف، وبدأت صناعة النفط الليبية في ضخ النفط الخام مرة أخرى، وما هو أهم من ذلك، بدأ الطلب على النفط في أسيا وأوروبا في الانخفاض، خاصة في أماكن مثل الصين واليابان وألمانيا. (421)

أولاً التحليل الاقتصادي لأزمة النفط: 
سيقوم الباحث بالتحليل الاقتصادي للأزمة من خلال تحديد الأطراف الرئيسية لها والتعرف على موقف كل طرف منها كما يلي:
1-  بالنسبة للمملكة العربية السعودية:
تنتج المملكة العربية السعودية أكثر من 10 % من النفط في العالم وتتمتع بتكاليف إنتاج منخفضة جداً، وتشير الإحصائيات إلى أنها تنتج أكثر من 10 ملايين برميل يومياً، بينما يمكنها ضخ نحو 12,5 مليون برميل يومياً، وفي الأوقات التي يرتفع فيها الطلب، تتيح لها هذه الطاقة الفائضة زيادة حجم إنتاجها، وبالتالي التخفيف من ارتفاع الأسعار، أما في فترات انخفاض الطلب، كما هو الحال الآن، فإن تكاليف إنتاجها المنخفضة واحتياطياتها المالية الكبيرة تعني أن بإمكان المملكة الصمود في وجه انخفاض عائدات التصدير، حيث لديها خيار التحكم في الإنتاج للحفاظ على حصتها من السوق. (43)

وانطلاقا من هذا الفهم, كان قرار المملكة العربية السعودية الحفاظ على حجم إنتاجها، وتحمّل انخفاض الأسعار، حيث فشلت قمة أوبك التي عقدت في فيينا في 27 نوفمبر 2014 في التوصل إلى صيغة لخفض الإنتاج، ولم تفلح محاولات دول من مجموعة الاوبك وفي مقدمتها فنزويلا في إقناع المملكة العربية السعودية بتخفيض الإنتاج، والتفسير الإقتصادي المقبول لهذه المنهجية يتلخص في التالي: (44)

- بالعودة إلى السوابق التاريخية فقد حدث في الثمانينات انخفاض في أسعار النفط، فحاولت السعودية وقتها خفض الإنتاج لدعم الأسعار؛ وكانت النتيجة أن أسعار النفط واصلت الانخفاض في كل الأحوال، وفقدت السعودية حصتها في السوق، وبالتالي ترى السعودية أنه من الأفضل التعايش مع انخفاض الأسعار على المدى القصير، بدلاً من فقدان الأسواق على المدى الطويل، وقد استطاعت الحكومة السعودية خلال السنوات الماضية بناء احتياطي ضخم من العملات الأجنبية , يكفيها لتمويل العجز المرتقب. (45)

- أنه من خلال تخفيض الأسعار، يستطيع السعوديون إبعاد بعض المنافسين العالميين الذين يستخدمون أساليب إنتاج ذات تكلفة أعلى، مثل الشركات الكندية التي تنتج النفط الرملي والشركات الأمريكية التي تنتج النفط الصخري.
- يعتبر الحفاظ على الأسواق مهم أيضاً بالنسبة للسعودية لاسيما في منطقة آسيا التي تشهد منافسة في هذا القطاع، والتي يمكنها أن تتحول بسرعة نحو مصادر غير سعودية مثل العراق، إذا ما خفضت المملكة من الإنتاج في محاولة منها للحفاظ على ارتفاع الأسعار، وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الشحن، تريد السعودية أن تبقى أيضاً من أكبر مصدري النفط إلى الولايات المتحدة، نظراً للأهمية الجغرافية- السياسية التي تراها في هذه العلاقة.

2- بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية : 
هناك مفارقة كبيرة يحدثها تراجع أسعار النفط في السوق العالمية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتنوع الأثار بين السلب والإيجاب كما يلي:
- في الجانب الإيجابي: تعطي أسعار النفط المنخفضة دفعة اقتصادية كبيرة، اذ ان انخفاض أسعار النفط يعني انخفاض أسعار البنزين، وهو ما يعني السماح للأسر باستخدام تلك الأموال للإنفاق على أمور أخرى، إضافة إلى ذلك تسطيع الولايات المتحدة استغلال انخفاض أسعار النفط في إجراء إصلاحات لازمة في سياسات الطاقة، مثل إنهاء دعم الوقود الحفري، من أجل الإعداد لذلك اليوم الذي سترتفع فيه الأسعار حتمًا مرة أخرى. (46)

- في الجانب السلبي: فإن الولايات المنتجة للنفط مثل تكساس ونورث داكوتا من المرجح أن تشهد انخفاضًا في الإيرادات والنشاط الاقتصادي، ويثير ذلك مخاوف بشأن الجدوى التجارية لإنتاج النفط الصخري، الذي لم يعد بعضه يغطي تكاليف إنتاجه التي تصل بحسب بعض المصادر الى 75 دولارا للبرميل الواحد، وهو الامر الذي سيشكل مصدر قلق حقيقي إذا استمرت الأسعار في الانخفاض. (47)، كما يمكن لانخفاض الأسعار أيضًا أن يحفز الناس على البدء في استخدام المزيد من النفط، مثال على ذلك: في السنوات الأخيرة، تسببت أسعار البنزين المرتفعة في شراء الأمريكيين لسيارات أصغر حجمًا وأكثر كفاءة، لكن إذا انخفضت أسعار البنزين، فإن سيارات الدفع الرباعي الكبيرة يمكنها أن تعود للاستخدام من جديد. (48)

ويرى الباحث أنه من خلال حساب محصلة المكاسب والخسائر نجد أن الولايات المتحدة لديها مكاسب صافيه وهذا ما يعبر عنه ارتفاع أسعار الدولار أمام العملات الأخرى خصوصاً أمام اليورو. 

3- بالنسبة لإيران: 
يعتبر النفط الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد الإيراني، حيث يمثل القطاع النفطي الإيراني مصدرًا لحوالي 80% من الدخل الأجنبي، ويشكل 60% من دخل الحكومة وحوالي30% من إجمالي الناتج المحلي. (49)

كما تمتلك إيران احتياطيات كبيرة من النفط والغاز, إذ لديها أكبر احتياطي مؤكّد من الغاز في العالم، أي ما يزيد عن 18% من الإجمالي العالمي، ورابع أكبر احتياطيات نفطية مؤكّدة (157 مليار برميل، أي ما يعادل أكثر من 9 % من الإجمالي العالمي)، بعد فنزويلا والسعودية وكندا, وثالث دولة نفطية في منظمة أوبك. (50)

وإلى جانب ذلك تعتمد إيران على النفط اعتمادًا كبيرًا في علاقاتها الخارجية، خصوصاً في ظل سيطرتها على مسافة 43 ميلاً من مضيق هرمز، حيث يمر حوالي 13,6 مليون برميل نفط في اليوم عبر هذا المضيق، وأي قرار بضرب إيران سيؤدي حتمًا إلى استعمالها لهذا الممر كرد فعل على ذلك(51)

وعلى مدار السنوات العشر الماضية , استطاعت إيران أن توظف ورقة النفط في الخروج من حلبة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها , من أمريكا ومن الاتحاد الأوروبي مؤخرًا، وذلك بسبب أن أسعار النفط على مدار هذه الفترة لم تخرج عن متوسط سعر 100 دولار للبرميل الواحد، لكن التراجع المفاجئ في السلعة الأهم أحدث صدمة للعالم وخصوصًا إيران وروسيا، وذلك بعد أن هوى سعر برميل النفط إلى ما دون 50 دولارًا في حدث هو الأول من نوعه منذ أربع سنوات، وربما ينبئ ذلك بأزمة اقتصادية سياسية عالمية تلوح معالمها في الأفق، وقد أقرت إيران حساب ميزانيتها التي تنتهي في مارس 2015 على أساس 100 دولار لبرميل النفط وتصدير نحو مليون برميل يوميًّا. ونظرًا لخطورة الموقف أبدى بعض المسئولين تخوفهم وأكدوا أن المضي في إقرار الموازنة في ظل تراجع أسعار النفط وقلة حجم الصادرات غير النفطية بسبب العقوبات الاقتصادية الصارمة سيكلف الحكومة كثيرًا، ويضعها أمام مشاكل اقتصادية واسعة. (52)

وتعتبر أحد مشكلات إيران أنها تحتاج أن تكون أسعار النفط فوق 100 دولارًا للبرميل لمعادلة ميزانيتها، خاصة بعد أن صعّبت العقوبات الغربية من تصدير النفط الخام الإيراني، وإذا واصلت أسعار النفط الهبوط، فإن الحكومة الإيرانية قد تحتاج لتعويض الإيرادات في قطاعات أخرى، أو حتى في قطاع الطاقة المحلي، عبر تقليص ميزانية دعم الوقود المحلية، وهي خطوة هامة على المدى القصير. (53)

4- بالنسبة لروسيا: 
تشكل عائدات النفط نحو 45٪ من ميزانيتها، وقد كانت تعاني بالفعل من ضعف نمو الاقتصاد، وكان ذلك يرجع إلى الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربية، لكن الهبوط في أسعار النفط العالمية من المرجح أن يضع المزيد من الضغوط على الاقتصاد، وكانت خطط الإنفاق الحكومي لعام 2015 تفترض أن الأسعار ستبقى في حدود 100 دولارًا للبرميل، وإذا استمر النفط في الانخفاض أكثر من ذلك، فإن روسيا ستضطر لأن تسحب 74 مليار دولار من احتياطياتها من النقد الأجنبي، أو تقليص الإنفاق المخطط له. (54)

ثانياً: من ناحية التحليل السياسي: 
تتلخص الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها في أن منطقة الخليج لا زالت تُشكل القلب النّابض للعالم على مستوى إنتاج النّفط ومخزونه، والتّقديرات تشير إلى أنّ العُمر الافتراضي للنّفط في الخليج يكفي لعدّة عقود إضافيّة من الزّمن ليس هذا فقط، بل إنّ تكلفة استخراج النّفط في الخليج لا تزال هي الأقلّ في العالم، وبلا مُنازع، ممّا يعد بتواصل الخليج في لعب دور محوري في الأسواق النّفطيّة على المستوى القريب، والمتوسط (55).

ومن هنا يرى الباحث أن دول الخليج العربي وخاصة المملكة العربية السعودية تحظى بنفوذ كبير في السياسية الدولية ويمكنها أن تكون لاعب أساسي في صنع السياسة الدولية خصوصاً في حالة توافقها مع القوى الدولية الأولى في العالم والمتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية.
وهذا ما دفع الباحثين والمحللين الى اعتبار أن هناك أسبابا سياسية وجيوسياسية هي التي تقف خلف إنخفاض أسعار النفط بهذا الشكل الملحوظ وغير المسبوق، حيث تسعى كل من الولايات المتحدة وحليفتها المملكة العربية السعودية للضغط على كل من روسيا وإيران من أجل التنازل في بعض الملفات الدولية. (56)

وبالتالي تشير العديد من التحليلات السياسية إلى أن هناك اتفاقا سياسيا ما بين الدولتين على استخدام النفط كسلاح في صراعاتهما، فمن ناحية تسعى الولايات المتحدة إلى الضغط على روسيا -التي يعتمد اقتصادها على تصدير النفط والغاز- من أجل ملفات عاجلة وعلى رأسها الأزمتين الأوكرانية والسورية، وهو ما يتقاطع مع الأجندة السعودية في الملف السوري، بالإضافة إلى اتفاق الدولتين على استمرار محاصرة إيران اقتصادياً، فالأخيرة أيضاً تعتمد على بيع النفط لتدوير عجلة اقتصادها الذي يعاني من عقوبات على خلفية الملف النووي، وهو أيضاً ما يزعج السعودية بالإضافة إلى ما تراه من نفوذ إيراني واسع يحاصر المملكة ومصالحها من اليمن إلى سوريا مروراً بالبحرين(57).

فبالنسبة لروسيا يتم الضغط عليها انتقاما لموقفها في الأزمتين الأوكرانية والسورية، وذلك من خلال تقليص عائداتها التي تعتمد بنسبة كبيرة علی صادرات النفط والغاز، بالتزامن مع العقوبات الأمريكية والأوروبية المفروضة عليها، أما بالنسبة لإيران، فإن استعمال سلاح النفط والاستمرار في العقوبات الاقتصادية ضدها فانه سيضعف موقفها  في الملفات الداخلية مثل التنمية والإصلاح, مما قد يؤثر على شعبية الحزب الحاكم في إيران, وربما يرغم إيران على تقديم بعض التنازلات في ملفات إقليمية مثل سوريا واليمن وحزب الله اللبناني (58)

ومن أهم الأهداف أيضاً الضغط على إيران بعد الفشل في التوصل لاتفاق مع الدول الغربية فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي، والذي تم تأجيل المفاوضات فيه إلى منتصف عام 2015 (59)

ويرى الباحث أنه على الرغم من المزايا التي قد تجنيها المملكة العربية السعودية,  من سياستها في خفض أسعار النفط , والتي تتلخص في الإضرار الاقتصادي بشركات النفط الحجري من ناحية , والإضرار السياسي بكل من روسيا وإيران من أجل التأثير في سياستهما الخارجية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، إلا أن انخفاض أسعار النفط يضر بالسعودية أيضاً حيث سيتأثر الاستثمار في مشاريع البنى التحتية وتطويرها التي اعتمدت عليها المملكة بعد ثورات الربيع العربي في محاولة لاستيعاب التيارات الشعبية السعودية التي تتطلع للتغير، فانخفاض أسعار النفط لفترة طويلة في ظل هذه الظروف قد يسبب عجزًا في خزينتها, خاصة في ضوء بعض التقديرات التي تشير الى ان اسعار النفط تحتاج الى 4 سنوات حتى تعود الى ما كانت عليه قبل مرحلة بدء الانخفاض.

والتساؤل المهم هل ستراجع إيران سياستها في منطقة الشرق الأوسط، ويرى الباحث أن هذا أمر مستبعد وما يدعم ذلك الرأي تصريح نائب وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بقوله: " إن الدول التي تبذل الجهود من أجل خفض أسعار النفط الخام تهدد نفسها بالخطر ذاته" مشيرًا إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية. (60)

اعداد:  مركز المحترفون للدراسات والابحاث

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها