مسارات التعاون والتقارب الأمريكية ـ الصينية الليرة التركية إلى القاع: هل يطفو الاقتصاد التركي؟ تحدي "المتحورات": كيف تسهم "الممرات الخضراء" في تعافي الاقتصاد العالمي؟ سيكولوجية الألوان في التسويق لعبة "لوكاشينكو- بوتين": حسابات متناقضة إزاء أزمة الهجرة بين بيلاروسيا وبولندا الصين وإفريقيا: الشراكات غير المقيدة نظرية الحرب السيبرانية والجيوش السيبرانية: جيوش السوشيال ميديا والأمن السيبراني "أوميكرون" يضع العالم أمام اختبار جديد توظيف "المجاز" في سياسات الشرق الأوسط الاحتواء المزدوج: جولة "بلينكن".. هل تغير النهج الأمريكي في أفريقيا؟ ضبط المصطلحات في الخطاب الإعلامي.. حقوق المرأة والمطالب النسوية نموذجًا الاقتصاد الكلي التونسي بين الهشاشة والتجاذبات السياسية والضائقة المالية المناورات العسكرية الأمريكية في البحر الأسود: الأهداف والتداعيات الحوار الاستراتيجي.. والسردية المصرية الجديدة الأزمات المُتداخلة وعدم الاستقرار في بعض الدول العربية

القسم : دراسات وابحاث
نشر بتاريخ : Mon, 08 Nov 2021 06:06:48 GMT
كيف تدير إسرائيل تفاهماتها مع روسيا في سوريا؟

تواصل إسرائيل مساعيها لتوسيع نطاق التنسيق مع روسيا حول الملف السوري تحديدًا. وربما يمكن القول إن ذلك يكتسب أهمية خاصة من جانبها باعتبار أن هذا التنسيق يمثل مدخلًا مهمًا لمواصلة عملياتها العسكرية داخل سوريا، ضد المواقع التابعة لإيران والنظام السوري وحزب الله، وكان آخرها الضربات الصاروخية التي شنتها في 3 نوفمبر الجاري (2021)، واستهدفت منطقة ريف دمشق التي تضم مستودعات أسلحة للميليشيات التابعة لإيران، وذلك للمرة الثانية خلال أربعة أيام.

 

من هنا جاءت أهمية قمة سوتشي التي عقدت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في 22 أكتوبر الفائت، التي تعد أول زيارة رسمية لبينيت إلى روسيا منذ توليه منصبه خلفًا لبنيامين نتنياهو في يونيو الماضي. كما جاءت الزيارة بعد ظهور عدد من المؤشرات بوجود توتر في العلاقات بين البلدين؛ بشأن تجاوز التفاهمات التي كانت قائمة بين بوتين ونتنياهو بخصوص سوريا "آلية عدم التصادم"، عكستها بيانات وزارة الدفاع الروسية التي دخلت لأول مرة على الخط، مع تفعيل أنظمة الدفاع الروسية لصد الهجمات الإسرائيلية في سوريا.

 

ومما يشير إلى حرص روسيا على بقاء علاقاتها متوازنة بين كل من إيران وإسرائيل، كان لافتًا أن موسكو استضافت رئيس الأركان الإيراني محمد باقري قبل أيام فقط من زيارة بينيت، والتي أشاد فيها باقري بالعلاقات العسكرية الوثيقة بين طهران وموسكو.

 

كما جاءت الزيارة في سياق تجميد مفاوضات فيينا الرامية إلى العودة للاتفاق النووي الإيراني المبرم عام 2015، والمتوقفة منذ انتخاب إبراهيم رئيسي رئيسًا لإيران في يونيو الماضي. ورغبة بينيت في كسب الموقف الروسي في صف إسرائيل من أجل مراعاة  المصالح الأمنية في أي مفاوضات مرتقبة، خاصة وأن الحكومة الإسرائيلية أخفقت في استغلال اشتباكات السفن مع إيران في تشكيل تحالف دولي عسكري بقيادة واشنطن ضد إيران، كما تزداد المخاوف الإسرائيلية خاصة مع مساعي التقارب بين طهران والرياض.

 

في إطار هذه التطورات، ثمة تساؤلات عديدة تفرض نفسها في هذا السياق، منها ما هى أبرز الملفات التي طُرحت في مباحثات سوتشي بين بوتين وبينيت، وهل سيؤثر تغير السلطة في إسرائيل وغياب العلاقات الشخصية بين بوتين ونتنياهو بفوز بينيت على عمق العلاقات وأسس التعاون بين البلدين؟، وبالتالي هل تعتبر روسيا تغيير الحكم في إسرائيل، بمثابة فرصة لإعادة النظر فى تحركاتها فى سوريا من أجل الحد من الهجمات الإسرائيلية؟، أم أن بينيت سينجح في بناء علاقات قوية مع بوتين - مثلما فعل من قبل نتنياهو – بما يساهم في تعزيز مكانته في وجه خصومه السياسيين في الساحة الداخلية الإسرائيلية؟، أم ستكون البراجماتية فقط ولغة المصالح هي المحدد الرئيسي في معالجة الملفات الشائكة بين البلدين؟، أي أن تصبح نقاط التماس وفرص التعاون بين روسيا وإسرائيل كفيلة بتذليل العقبات أمام المسائل الخلافية في سوريا، والتي اعتبر بوتين في حديثه مع بينيت أنها "ليست قليلة"، وما هي توقعات بينيت فيما يخص الدور المأمول لروسيا في مفاوضات النووي الإيراني، وحدود تقاطعه مع الملف السوري؟.

 

حكومة بينيت وتحدي "آلية منع التصادم"

على الرغم من التحديات التي واجهت العلاقات الروسية- الإسرائيلية، إلا أن روسيا تعد أحد أهم شركاء إسرائيل؛ حيث نجح الطرفان في توقيع العديد من الاتفاقيات لتعزيز التعاون في مختلف المجالات؛ مثل، الاقتصاد، والتقنيات الحديثة والغاز والطاقة، وغيرها، خاصة الثقافية؛ نظرًا للعدد الكبير من المهاجرين اليهود من الاتحاد السوڤييتي السابق، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نسبة الإسرائيليين من أصل روسي أو من دول الاتحاد السوفيتي السابق تزيد عن 20 في المائة، كما تعد اللغة الروسية ثالث اللغات المحلية الشائعة في إسرائيل بعد العبرية والعربية. وفي مقابل المصالح الروسية - الإسرائيلية المتشابكة، فهناك معضلة تحكمها المصالح العميقة المشتركة بين كل من روسيا وإيران، وسوريا، والتي تجلت في  التحالف المشترك في سوريا ضد الأطراف التي تدخلت لإسقاط النظام في سوريا.

 

لكن تضارب مصالح تلك الأطراف مع إسرائيل، لا ينفي أن روسيا نجحت منذ دخولها كطرف فاعل في الأزمة السورية عام 2015، في عدم التصادم مع إسرائيل أو إيران. واستطاع كل من بوتين ونتنياهو تجسير الفجوة بين البلدين، وعدم استعداء الآخر؛ حيث أبدت روسيا تفهمًا لمخاوف إسرائيل الأمنية، وسمحت لها بتنفيذ المئات من الضربات الجوية داخل سوريا ضد الأهداف الإيرانية. ومع ذلك فإن تلك السياسة واجهت تحدى دخول إسرائيل وإيران في مواجهة مباشرة، ثم دفعت حادثة تحطم طائرة "إيليوشين – 20" الروسية- والتي أصيبت بالخطأ بصاروخ سوري خلال غارات إسرائيلية في سبتمبر 2018 أثناء توجهها لقاعدة حميميم، وأدت إلى مقتل 15 عسكريًا روسيًا - الطرفين الروسي والإسرائيلي إلى التنسيق فيما بينهما بموجب ما يسمى "آلية منع التصادم"؛ لتجنب التصادم العسكري داخل الأراضي السورية وفي الأجواء، على أن يتم إخطار كل طرف للآخر عن الأهداف التي ينوي ضربها، قبل فترة محددة من الوقت. وقد شملت تلك التفاهمات غض موسكو الطرف عن قيام المقاتلات الإسرائيلية بتوجيه ضربات في سوريا ضد أهداف إيرانية؛ وذلك مقابل عدم استهداف إسرائيل لقوات النظام السوري. وبالتالي أصبحت هناك قنوات اتصال مستمرة بين روسيا وإسرائيل، قامت بمقتضاها إسرائيل بإبلاغ الجيش الروسي باتجاهها لتنفيذ عمليات داخل سوريا؛ وذلك لتأمين القوات الروسية، ومنع استهدافها بالخطأ. ثم أصبحت التفاهمات تعمل لصالح إسرائيل على نحو واضح، إثر الزيارة التي قام بها نتنياهو في 27 فبراير2019 إلى روسيا، حينما استطاع الحصول على "تفهم" روسي للقيام بعمليات عسكرية ضد التموضع الإيراني في سوريا "ككل"، وليس فقط المناطق الجنوبية الغربية القريبة من الحدود مع إسرائيل. وتأكدت صحة ذلك التنسيق في قدرة موسكو على ضبط السلوك السوري وعدم تمكين الجيش السوري من تشغيل دفاعاته الجوية وبالتحديد شبكة صواريخ "إس - ٣٠٠" التي حصلت عليها دمشق من روسيا، في أواخر العام 2018؛ وذلك على الرغم من تعدد الضربات الإسرائيلية المتلاحقة في العمق السوري.

 

ومنذ قدوم حكومة نفتالي بينيت في يونيو الماضي، وانتهاء فترة العلاقة الوطيدة التي كانت تربط بين بوتين ونتنياهو، سعت إسرائيل لقياس واختبار مدى صلابة التفاهمات السابقة بين البلدين بخصوص سوريا، وهل ستظل إسرائيل لديها الحق باختراق الأجواء السورية دون اعتراض روسي، أم أن تلك الميزة اختصت بها فقط حكومة نتنياهو، وهل من المفترض أن تلتزم في المقابل إسرائيل بإبلاغ روسيا قبل الهجوم؟. وتمثلت أولى خطى ذلك في شروع الحكومة الجديدة بتكثيف ضرباتها في سوريا، مع تصريحات عدة من جانب مسئولين إسرائيليين بأن إسرائيل لن تسمح بأن يكون لإيران والجماعات المسلحة التي تدعمها وجود عسكري على حدودها، في إشارة ضمنية إلى رفض أي ترتيبات لتسوية الصراع في سوريا تشمل الوجود الإيراني عسكريًا أو سياسيًا.

 

وبدأت ملامح التغير في التفاهمات وقواعد الاشتباك بين البلدين حينما قامت الدفاعات الجوية الروسية بصد الهجمات الإسرائيلية، وإصدار بيانات عسكرية تعلن فيها عن إسقاط الصواريخ الإسرائيلية من جانب وزارة الدفاع الروسية، ومركز المصالحة في حميميم، بعد أن كان رد فعل وزارة الدفاع الروسية من قبل؛ إما الصمت أو التجاهل في أحسن الأحوال؛ حيث جاء البيان الأول بعد الهجوم الذي شنه الطيران الإسرائيلي يوم 19 يوليو الماضي، ضد مركز أبحاث في ريف حلب؛ حيث علق الأدميرال فاديم كوليت- نائب رئيس المركز الروسي للمصالحة في سوريا - على الهجوم بأن أنظمة الدفاع الروسية دمرت سبعة من الصواريخ الإسرائيلية الثمانية.

 

أما البيان الثاني، فقد جاء بعد الهجوم الذي وقع بعد أربعة أيام من ذلك التاريخ؛ حيث أعلن كوليت أن أنظمة الدفاع الروسية قد اعترضت أربعة صواريخ إسرائيلية استهدفت موقعًا لتمركز قوات إيرانية في القصير قرب حمص؛ وذلك بحسب تقرير لموقع Responsible Statecraft الأمريكي. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن منظومتي الدفاع الجوي الروسيتين من طرازي "بوك" و"بانتسير"، اللتين تمتلكهما قوات النظام السوري أسقطتا معظم الصواريخ الإسرائيلية.

 

وعلى الرغم من لغة التصعيد الروسية حيال إسرائيل، فلم تأخذها الأخيرة بمحمل الجد، وقد تكرر القصف الإسرائيلي قرب دمشق ليل الخميس - الجمعة على مناطق قرب دمشق يوم 2/9، وتصدت لها أيضًا الدفاعات الروسية. ثم شكلا الهجومان اللذان تعرضت لهما قوات حكومية سورية مع حلفائها في 9 و13 من شهر أكتوبر الفائت: الأول كان في ريف حمص، والثاني في تدمر، تحديًا للتحولات في الموقف الروسي؛ حيث تسبب الهجومان بسقوط بضعة قتلى وجرحى من السوريين وحلفائهم‫. واللافت في الهجومين تصريح الحكومة السورية بأنه تم تنفيذهما من جانب طائرات إسرائيلية كانت قد أقلعت من قاعدة (التنف) العسكرية، جنوبي سوريا، الواقعة قرب المثلث الحدودي مع العراق والأردن، والتي يستخدمها التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية, وقد نقلت وكالة "يونيوز" بعد الهجوم الثاني عن  قيادة "غرفة عمليات حلفاء سوريا" التابعة للفصائل المدعومة من إيران أنها "اتخذت قراراً بالرد القاسي على العدوان على تدمر".  ويمكن اعتبار الهجوم الذي وقع يوم 20 أكتوبر الفائت - قبيل زيارة بينيت إلى روسيا - على قاعدة التنف والتي تعد المرة الأولى التي تهاجم فيها هذه القاعدة، بأنه رد إيراني على الهجمات المتكررة التي تشنها إسرائيل على أهداف داخل الأراضي السورية، خاصة الأخيرة التي انطلقت من قاعدة (التنف) العسكرية. كما يمكن اعتبارها رسالة واضحة من قبل إيران قبل زيارة بينيت لروسيا بأن لديها الحق هي وحلفاءها في سوريا للرد على الاعتداءات الإسرائيلية في سوريا. بينما اعتبر المحلل العسكري في موقع "واي نت" الإلكتروني الإسرائيلي، رون بن يشاي، أن هذا الهجوم "يرمز إلى تشديد في سياسة استخدام فيلق القدس في سورية، وربما غايته ممارسة ضغط على واشنطن أيضًا، في سياق المحادثات حول العودة إلى الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة".

 

ويمكن تفسير التغير في الموقف الروسي حيال الضربات الإسرائيلية ضد سوريا منذ وصول حكومة بينيت للحكم، وفقًا لعدد من العوامل: الأول، تراجع مستويات التنسيق، أو الإخطار المسبق عبر قناة الاتصال المشتركة بين موسكو وتل أبيب حول الضربات الجوية وفقًا لآلية منع التصادم، والتي كانت مُفعّلة وقت نتنياهو، والتي يفترض أن تقوم بمقتضاها إسرائيل بإبلاغ موسكو بموعد الهجمات قبل شنها. حيث تشير مصادر إسرائيلية إلى أنه منذ تولي حكومة نفتالي بينيت الحكم في إسرائيل، فإن هذا التنسيق لم يعد فاعلاً.

 

 والثاني، رؤية موسكو لتداعيات تغيير الحكومة الإسرائيلية، حيث اعتبرت أنها بمثابة فرصة من أجل اختبار ردود الفعل الإسرائيلية بشأن رغبة روسيا في تحجيم الهجمات الإسرائيلية مُستغلة هشاشة تلك الحكومة، والصراع مع المعارضة بقيادة نتنياهو، وكذلك رغبة في استعراض أهمية الدفاعات الروسية المقدمة للنظام السوري، وإبداء الرفض لتكرار الهجمات على مواقع تشرف عليها القوات الروسية بشكل مباشر أو غير مباشر، مثل؛ مراكز القيادة والتوجيه التابعة لقوات النظام السوري أو مراكز الأبحاث العلمية والعسكرية. وفي هذا الشأن قالت إلينا سبونينا، خبيرة الشرق الأوسط في موسكو: "لم يعد الرئيس فلاديمير بوتين ملتزمًا بالتفاهمات الماضية"، و"تنسيق الجهود ضد الإرهاب". كما أكد المحلل يوآب شتيرن، أنها "رسالة إلى الطرف الإسرائيلي مفادها أنه ما كان يسمح في عهد نتنياهو لن يكون كذلك الآن".

 

والثالث؛ الحملات الإسرائيلية المستمرة منذ أعوام ضد التمركز الإيراني في سوريا، والتي تعقّد من مساعي روسيا للتوصل إلى تسوية لإنهاء الأزمة السورية وتثبط جهود إعادة بناء سوريا، عبر تشجيع الدول العربية والغربية والصين على الاستثمار. ومن ثم ترغب روسيا في فرض "قواعد جديدة" للتحرك في سوريا تقوم على إبلاغ موسكو بالمخاطر والتهديدات التي ترصدها إسرائيل على أن يتعامل الجيش الروسي مع مصادر الخطر من دون الحاجة إلى تدخل عسكري من جانب تل أبيب.

 

والرابع؛ توجيه رسالة طمأنة للنظام السوري، بأن روسيا قادرة على ضبط سلوك إسرائيل وعدم تجاوز الخطوط الحمراء تحت قيادة بينيت.

 

والخامس؛ الحصول على ضوء أخضر أمريكي بشأن الحد من استمرار الهجمات الإسرائيلية في سوريا؛ حيث أبلغ الجنرال الروسي فاديم كوليت، في لقاء أجراه مع صحيفة "الشرق الأوسط" بأن الولايات المتحدة أوضحت خلال محادثات القمة في جنيف "زنبا" في 16 يونيو الماضي بين الرئيس الأمريكي جو بايدن، ونظيره الروسى فيلاديمير بوتين بأنها "تعارض استمرار الهجمات الإسرائيلية في سوريا، وأن هذا الاعتراض دفع موسكو للخروج والإعلان بوضوح أنها ضد جميع الأنشطة العسكرية الإسرائيلية التي تهاجم سوريا"، وأن "تل أبيب تلقت رسائل مباشرة بأن الوضع قد تغير، في كل ما يتعلق بمهاجمة الأهداف الإيرانية في أراضي سوريا، والتي كانت روسيا تغض الطرف عن تلك الهجمات في الماضي وتتجاهلها". كما يمكن القول أن تلك التفاهمات ورغبة بايدن في تهدئة التصعيد في سوريا، لها علاقة بالرغبة الأمريكية في الدفع بعجلة المفاوضات النووية.

 

أهداف حكومة بينيت

يتضح من ذلك أن التوازن الدقيق الذي نجح في ترسيخه نتنياهو داخل سوريا بات يواجه تحديات مع وصول بينيت إلى الحكم، وانعكس ذلك في الزيارات الإسرائيلية الرسمية إلى روسيا، والتي استهلها رئيس مجلس الأمن القومي السابق، مائير بن شابات، مع الرئيس الجديد للمجلس، ايال حولتا، إلى موسكو في 22 أغسطس الماضي؛ حيث اجتمعا خلال الزيارة مع رئيس مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي بيترشوف، لبحث مستجدات الأزمة السورية. ثم جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد لموسكو في 9 سبتمبر الماضي، ولقاءه بنظيره الروسي سيرجي لافروف؛ حيث يعد هذا اللقاء الأول بينهما منذ تسلم لابيد منصبه وزيراً للخارجية. ورغم التطرق إلى عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك؛ مثل؛ الملف النووي الإيراني، والتطورات الفلسطينية، والقضايا الثنائية، إلا أن التموضع الإيراني في سوريا، والتنسيق العسكري بين الجانبين كان في مقدمة هذه الملفات؛ حيث أراد لابيد استعادة الجانبين قنوات التنسيق العسكري، والتي كانت قد توقفت منذ تولي الحكومة الإسرائيلية الجديدة الحكم، ومن أجل ذلك أكد لابيد على حرص  تل أبيب على منع إلحاق أضرار أو خسائر في صفوف الجانب الروسي في سوريا.

 

وعلى الرغم من تأكيد لافروف على تمسك موسكو بضمان أمن إسرائيل، بما يعنى عدم تحويل سوريا إلى مركز لإطلاق الهجمات ضد إسرائيل، إلا أنه حذر في الوقت نفسه من تحويل أراضي سوريا إلى ساحة لتصفية الحسابات بين دول أخرى؛ وذلك في إشارة إلى توظيف الساحة السورية لتصفية الحسابات الإيرانية- الإسرائيلية؛ حيث ذكرت قناة "العالم" التابعة للحكومة الإيرانية، أن الهجوم على ناقلة النفط الإسرائيلية "ميرسر ستريت" في 29 يوليو الماضي إنما جاء في إطار الرد على الهجمات التي شنتها إسرائيل في الشهر ذاته ضد قاعدة الضبعة العسكرية الجوية في منطقة القصير بحمص.

 

 ومن ثم جاءت زيارة بينيت لروسيا والتي كانت بدعوة من بوتين؛ بهدف وضع أسس التعاطي مع التطورات في سوريا، التي كانت العنوان الرئيسي للمباحثات. إذ طالب بينيت وفقًا لما  ذكرته قناة "كان" العبرية، بأن تواصل إسرائيل غاراتها على سوريا، وإبعاد إيران والميليشيات الموالية لها عن خط وقف إطلاق النار في هضبة الجولان المحتلة. ومن بين الأمور التي أثارت قلق إسرائيل وتزامنت مع الزيارة قرار روسيا تفكيك الميليشيات التي أسستها في الأعوام الثلاثة الأخيرة جنوبي سوريا، والتي لم تخضع لأوامر الجيش السوري، مع تسليم أسلحتها للجيش السوري، على أن تصبح هذه العناصر تحت قيادة الاستخبارات السورية، حيث اعتبرت إسرائيل أن تلك الخطوة بمثابة تمهيد طريق أمام إيران وحزب الله، وقوات الأسد للسيطرة على المناطق المقابلة للجولان. ومن أجل ذلك وتحسبًا لأي تسويات مرتقبة يمكن أن تشمل الجولان، فقد أكد بينيت قبل الزيارة إلى روسيا بأن هضبة الجولان ستظل إسرائيلية بغض النظر عن الموقف الدولي من نظام الرئيس السوري بشار الأسد. ووصف بينيت هضبة الجولان، بأنها "غاية استراتيجية"، مضيفًا أن حكومته عازمة على "مضاعفة عدد السكان وعلى إنشاء بلدتين جديدتين وإيجاد فرص عمل وضخ المزيد من الاستثمارات على البنى التحتية، بما يساهم في تغيير وجه الجولان".

 

أما بالنسبة لبوتين، فقد حرص على أن يُذكِّر بينيت بأن العلاقات بين البلدين أعمق من الملف السوري؛ حيث استهل حديثه بالتأكيد على الروابط الاقتصادية والتجارية بين بلاده وإسرائيل، قائلاً إنها تتطور بنجاح على الرغم من أنها لا تزال متواضعة حتى الآن من حيث الحجم. وأوضح بوتين أن حجم التبادل التجاري بين الدولتين ارتفع بواقع 50% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 2021، على الرغم من القيود المفروضة على خلفية جائحة كورونا. كما لفت بوتين إلى إمكانية التعاون بين البلدين في القطاعات الاقتصادية المتعلقة بالتكنولوجيات المتطورة، مؤكدًا أن بحث هذه الفرص بين الدولتين انطلق في عهد نتنياهو؛ وذلك تنويهًا لدور الأخير في ترسيخ العلاقات بين البلدين، وعرفانًا بالصداقة التي تجمع بينهما. كما أراد أن يبعث رسائل واضحة لبينيت بأن العلاقات الفريدة بين البلدين رهن الالتزام بالأسس التي دشنها نتنياهو مع بوتين كما رهن ذلك أيضًا بقدرة بينيت على تجاوز ما أسماه بـ"المعارك السياسية الداخلية" في الدولة العبرية.

 

 وحرص بوتين أيضًا على توضيح أولويات الأجندة الروسية في سوريا في المرحلة الراهنة، حينما تحدث عن مرحلة "إعادة تشكيل سوريا المستقبلية"، وحرصه على تجاوز المسائل الخلافية بين البلدين، من خلال إبراز "نقاط تماس" والتي تتمثل في محاربة الإرهاب، والإعداد لتسوية النزاع السوري من أجل الشروع في اعمار سوريا، حيث أكد بوتين: "كما تعلمون، نبذل جهودًا من أجل استعادة سلطة الدولة في سوريا، وهناك مسائل خلافية بيننا وعددها ليس قليلاً، غير أن هناك أيضًا نقاط تماس وفرصًا للتعاون، لاسيما فيما يخص المسائل المتعلقة بمحاربة الإرهاب، وبشكل عام ثمة العديد من المسائل التي يمكن ويجب علينا مناقشتها".

 

أما على صعيد الملف النووي الإيراني، فقد حرصت الحكومة الإسرائيلية قبل زيارة بينت إلى روسيا على توجيه رسائل تصعيدية ضد إيران في إطار حربها النفسية؛ حيث صادقت على مبلغ 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار) في الميزانية العامة الإسرائيلية تضاف إلى ميزانية الجيش لغرض بناء قدرة عسكرية على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية. كما أكدت تصريحات تليفزيونية لوزير المالية أفيغدور ليبرمان في 21 أكتوبر الفائت على أن المواجهة مع إيران مسألة وقت. وتعمدت قيادة الجيش تسريب أوامر رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي لسلاح الجو بالبدء في التدريبات على إمكانية مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية.

 

لذلك حرص بينيت على أن يكون الملف النووي في مقدمة القضايا المطروحة في المباحثات مع الجانب الروسي، خاصة مع المخاوف الإسرائيلية من مماطلة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في العودة إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وتجميد المفاوضات مع واشنطن؛ حيث تعد روسيا ضمن مجموعة (5+1) التي تضم أيضًا الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا، والتي توصلت للاتفاق مع ايران.  

 

وبالتالي يسعى بينيت إلى انتزاع تعهد من قبل بوتين بدعم المطالب الإسرائيلية في الموقف من "محادثات فيينا" الرامية لإحياء الاتفاق النووي، خاصة مع الضغوط التي يواجهها بينيت من نتنياهو الذي يُوظِّف ورقة الملف الإيراني للضغط بقوة على بينيت ويتهمه بالتراخي في التعامل مع التقارير التي تحدثت عن قرب امتلاك إيران للسلاح النووي.

 

كما يبدو أن حكومة بينيت لا ترغب في تصعيد التوتر مع الإدارة الأمريكية بشكل علني كما فعل نتنياهو في السابق، لاسيما أن تجنب التصعيد يمثل، بالنسبة لاتجاه بارز داخل إسرائيل، جوهر الأمن القومي الإسرائيلي. ويقود هذا التوجه وزير الخارجية ورئيس الحكومة بالإنابة يائير لبيد، ووزير الدفاع بيني غانتس. واللافت أن ذلك يتوازى مع اتساع نطاق الخلافات بين المؤسستين الأمنية والسياسية الإسرائيلية حول التداعيات التي يمكن أن يفرضها الاتفاق المحتمل في فيينا على الأمن القومي الإسرائيلي، حيث لا يوجد اتفاق على أن أي صفقة نووية مع إيران ضد مصالح إسرائيل، التي يمكن من خلال تنسيقها مع الولايات المتحدة وروسيا أن تساهم في إبرام صفقة تستوعب مصالحها.

 

وبرز ذلك من خلال ما أعلنته وزارة الخارجية الإسرائيلية في 27 يونيو الماضي، من اتفاق بين وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين على سياسة "عدم المفاجآت"، حيث توافقا حول الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة ومنتظمة. وربما تتجلى تلك الاتصالات التي أكد عليها بلينكين في الهجوم السيبراني الذي وقع في 27 أكتوبر الفائت، وتسبب في تعطل محطات توزيع الوقود في مختلف أنحاء إيران، ويعد أحد أبرز الهجمات الإليكترونية ضد إيران منذ أعوام؛ حيث اتهمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء الهجوم، ومن غير المستبعد أن يكون ذلك ردًا على الهجوم الذي وقع ضد قاعدة "التنف" العسكرية.

 

ختامًا، يمكن القول إنه على الرغم من تأكيد وزير الإسكان الإسرائيلي زئيف إلكين- الذي رافق بينت في زيارته إلى روسيا باعتباره مترجمًا ومستشارًا خلال المحادثات – أنه تم الاتفاق على الاستمرار في السياسة القائمة حيال سوريا والحفاظ على التنسيق بين البلدين، مضيفًا أن الاجتماع كان "ممتازًا ودافئًا"، إلا أن تلك التصريحات وتقييم نتائج قمة سوتشي ستظل رهن اختبارها عمليًا، وهو ما يبدو أن إسرائيل بدأت في تطبيقه عبر الهجمات العسكرية المتعددة التي شنتها في الفترة التالية على الزيارة، والتي اتسمت بكثافة ملحوظة وباستخدام آليات مختلفة، على نحو يوحي بأن تل أبيب تسعى إلى تأكيد جديتها في مواجهة الوجود العسكري الإيراني في سوريا خلال المرحلة القادمة.

 

المصدر: الاهرام

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها