صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا تحوط صيني: تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي سياسة الإعدام الميداني للشهود على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟ لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟ بين الاستثمار والضبط: دوافع تباين علاقة حكومات الشرق الأوسط بـ "مؤثري الويب" المياه الأفغانية وإيران: قرن من الصراع الخفي رهانات مزدوجة: حدود صمود الاقتصاد الروسي أمام هروب الشركات الغربية قوات "الدعم السريع" والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات تلاشي الطفرة: لماذا تراجعت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة من كورونا إلى أوكرانيا: لماذا تتفاقم أزمة التمويل الإنساني في الشرق الأوسط؟ التمدد الروسي في إفريقيا الوسطى تفكيك سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا زيارة هرتزوج لأنقرة: لا ضمانات لتحسن العلاقات الإسرائيلية- التركية قريباً

القسم : دراسات وابحاث
نشر بتاريخ : Mon, 27 Dec 2021 06:16:14 GMT
الأزمة الانتخابية الليبية بين القانون والواقعية

تفتح المآلات المتوقعة للمسار السياسي الليبي في هذه الظروف والأحداث المصاحبة كما هو الحال في تحديد موعد جديد للانتخابات بدون وجود مرجع دستوري صحيح وسليم مرة أخرى البابَ مجددًا أمام انسداد سياسي جديد قد تكون مفاتيح الخروج منه بالصعوبة بمكان، وعبر سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات الداخلية والإقليمية وحتى الدولية منها.

لم يكن يوم 24 ديسمبر/كانون الأول 2021 ليمضي بدون انتخابات برلمانية ورئاسية لو كان هناك أدنى حد من التوافق في القوانين والقواعد الدستورية التي يجب أن تكون عليها الانتخابات، غير أنه منذ صدور قوانين "أحادية" كان التعطيل هو الذي يلوح في الأفق، وهذا ما كان واقعاً، وبالتالي بات من الضروري اليوم قبل وضع موعد آخر للانتخابات؛ حيث اقترحت المفوضية العليا للانتخابات أن يكون يوم 24 يناير/ كانون الثاني 2022 المقبل موعدًا للانتخابات. من التأسيس لمرحلة توافقية تبنى عليها، سواء من الناحية الإجرائية العملية التنفيذية، أو من الناحية القانونية والدستورية، التي كانت ولا تزال موطن نقاش وطعن فيها، على الصعيد الشعبي أو حتى الرسمي، باعتبار أنها جاءت مخالفة للأطر القانونية والدستورية التي تسير عليها البلاد، ابتداء من الإعلان الدستوري الصادر في 3 أغسطس/آب 2011، وتعديلاته، وصولًا إلى الاتفاق السياسي الذي تسير عليه البلاد منذ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.

ومع هذا الاختلاف الحاد، وُجدت دعوات إلى "التوافق" من قبل في سبيل إنجاح الانتقال السلس للسلطة في موعده المقرر له، في محاولة لتجنيب البلاد مزيدًا من الاختلاف والتشظي. إلا أن هذه الدعوات؛ بل والإجراءات منها لم تلقَ اهتمامًا من أعضاء البرلمان المنعقد في طبرق الذي أسَّس لقانون انتخابي "رئاسي وبرلماني" من دون الرجوع إلى البرلمان مجتمعًا، ناهيك عن التوافق مع المجلس الأعلى للدولة في إصداره كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي المسيِّر للعملية السياسية في البلاد.

ولقراءة المشهد السياسي الليبي "الدستوري والانتخابي" وصولًا إلى المشهد الحالي والمآلات المقبلة في العملية السياسية لابد من الرجوع إلى محطات فارقة في العملية السياسية منذ نجاح ثورة فبراير/شباط 2011 إلى العملية السياسية الآنية وفقًا لمسارها الدستوري أو حتى الواقعي.

الإعلان الدستوري

في 3 أغسطس/آب 2011، أصدر المجلس الوطني الانتقالي الحاكم في البلاد آنذاك الإعلان الدستوري، باعتباره وثيقة دستورية تسير عليها البلاد، مؤسِّسًا لدولة القانون والمؤسسات، مؤكدًا على الانتقال السلمي للسلطة وتداولها، كما وضع الإعلان الدستوري خارطة طريق لإجراء انتخاب المؤتمر الوطني العام الذي سيكون جسمًا منتخبًا من الشعب، ويكون هو المجلس التشريعي الأول للبلاد بعد نجاح ثورة فبراير/شباط.

كما كان من المفترض أيضًا أن يقوم المؤتمر الوطني العام بتعيين لجنة صياغة الدستور التي سوف تضع دستورًا دائمًا للبلاد، غير أن المجلس الوطني الانتقالي قام بتعديل هذا الإجراء قبل "يومين" من الانتخابات معلنًا أن انتخاب هذه اللجنة سيجري مباشرة من قِبَل الناخبين، أي من القاعدة الشعبية، وليس من مبدأ التعيين، وذلك إثر التهديدات بمقاطعة الانتخابات في منطقة برقة في الأيام الأخيرة للحملة الانتخابية.

وضمن هذا الإطار الدستوري والقانوني جرت انتخابات المؤتمر الوطني العام، في 7 يوليو/تموز 2012، والذي كان "بصفة عامة مسارًا انتخابيًّا ديمقراطيًّا شاملًا ومتماشيًا مع المعايير وأفضل الممارسات الدولية"، كما جاء في التقرير النهائي لفريق الاتحاد الأوروبي لتقييم الانتخابات، كما أن الإعلان الدستوري وكذلك القوانين المتعلقة بالعملية الانتخابية قد ضمن كذلك حق اللجوء للقضاء وتكريس الحلول القانونية، بالرغم من التوافق على العملية الدستورية والقانونية قبل إجراء الانتخابات، وهذا ما لم يتأتَّ في الوقت الحالي بالرغم كذلك من عدم وجود توافق في القوانين، ناهيك عن الإجراءات والعملية الدستورية.

تعديل الإعلان الدستوري

طوال مدة عشر سنوات من عمر الإعلان الدستوري الصادر عقب نجاح ثورة فبراير/شباط في 3 أغسطس/آب 2011، ثمَّ تعديله أكثر من مرة، سواء من الناحية التنظيمية، أو حتى في الأزمات السياسية والحلول المصاحبة لها، لتكون مؤطَّرة دستورًا وقانونًا، وإن كان في بعضها يشوبها الاختلال. فقد كان أول تعديل للإعلان الدستوري الليبي في 22 مارس/آذار 2011، والتعديل الثاني كان في 29 يونيو/حزيران 2011، والثالث كان في 5 يوليو/تموز 2011. كل هذه التعديلات قبل انتخاب المؤتمر الوطني العام الجسم التشريعي المنتخب الأول في البلاد، وغيرها من التعديلات المتلاحقة بعدها؛ الأمر الذي يحمل في طياته عدم استقرار دستوري للعملية السياسية في البلاد.

حكم الدائرة الدستورية وحلُّ البرلمان

وُجدت أزمة سياسية دستورية عقب انتخاب البرلمان الحالي في 2014، محورها "قانون ولجنة فبراير" المشكَّلة من المؤتمر الوطني العام، باعتبارها مخالفة للإعلان الدستوري، والوضع القانوني للدولة، وبالتالي اعتُبر كذلك المُنشَأ عنها باطلًا قانونًا ودستورًا، أي البرلمان؛ حيث إن الحكم القضائي أبطل مقترحات "لجنة فبراير" والتي تَضمَّنت انتخاب مجلس النواب، وتشكيل سلطة تشريعية جديدة في البلاد، بل وأبطل بعضًا من فقرات التعديل الدستوري السابع الذي كان لبُّه "عدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري المعدلة بموجب التعديل الدستوري السابع الصادر بتاريخ 11 مارس/آذار 2014 وكافة الآثار المترتبة عنه"؛ ما يعني حلَّ مجلس النواب وكل المؤسسات المنبثقة عنه، وصيرورته إلى العدم بحسب هذا الحكم القضائي من الدائرة الدستورية في المحكمة العليا للبلاد، غير أن هذا الحكم القضائي لم يعترف به البرلمان وصار إلى الانعقاد في مدينة طبرق بدون استلام وتسليم من المؤتمر الوطني العام كما ينص على ذلك القانون أيضًا، وليكون أمرًا واقعًا وإن كان مخالفًا للدستور والقانون.

هكذا كان المشهد السياسي الليبي في ذلك الوقت اختلافًا سياسيًّا وقانونيًّا دستوريًّا، ومن ثمَّ انقسامًا حادًّا بين أجسام الدولة في شرق البلاد وغربها، لتكون المحصِّلة بعد ذلك انعدام شرعية الأجسام السياسية من القاعدة الشعبية، وليكون مَخرجها الدستوري اتفاق الصخيرات منذ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015.

الاتفاق السياسي

كان لاتفاق الصخيرات الليبي الموقَّع في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، دور في المشهد السياسي، والدستوري الليبي؛ حيث تسير البلاد عليه منذ ذلك الوقت، وصار على إثره تأسيس المجلس الرئاسي، وكذلك تحول المؤتمر الوطني العام إلى المجلس الأعلى للدولة وفق هذا الاتفاق، وبالتالي أصبحت البلاد بعدَّة أجسام تشريعية ورئاسية حكومية، من برلمان ومجلس أعلى للدولة، وكذلك المجلس الرئاسي وحكومته، إلا أن هذا الاتفاق لم يكن واقعيًّا على الأرض في كثير من بنوده واتفاقياته؛ الأمر الذي أدى إلى الإخلال به من جهة، وكذلك الإخلال بالعملية السياسة في البلاد من جهة أخرى، مرات عديدة، وبالتالي كانت العودة إلى نقطة الصفر هي السمة الأبرز في العملية السياسية في البلاد طوال هذه السنوات من عمر الاتفاق، وبالتالي كانت الحوارات هي الفيصل في ذلك، والتي كان آخرها ملتقى الحوار الليبي الذي أنتج المجلس الرئاسي الجديد وحكومته.

ملتقى الحوار

بعد اشتداد الأزمة وعدم وصول الأجسام التشريعية في البلاد المنقسمة على نفسها إلى وضع حلٍّ أو رؤية للمرحلة المقبلة، قامت البعثة الأممية في ليبيا "بشكل أحادي" بتشكيل ملتقى حواري، أُطلق عليه "ملتقى الحوار السياسي" يأخذ شيئًا من الصبغة التشريعية في محاولة لجعل جميع الأطراف يقبلون بنتائجه؛ الأمر الذي أدى إلى اختيار مجلس رئاسي جديد، وحكومة جديدة في فبراير/شباط 2021.

كما أن ملتقى الحوار أوكل للجنته القانونية إعداد قاعدة دستورية للانتخابات المقبلة، وإحالة المقترح على مجلسي النواب والدولة للنظر فيه وحلحلة نقاط الخلاف التي تضمَّنها، مع التشديد على ضرورة "مراعاة الموعد النهائي للإطار الدستوري والانتخابي المحدَّد" على النحو الذي دعا إليه قرار مجلس الأمن رقم "2570"، غير أن توافقًا في هذا الإجراء لم يحدث، ليس بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة فحسب، بل إن التوافق على "القاعدة الدستورية" غاب حتى بين أعضاء ملتقى الحوار السياسي أنفسهم، وبالتالي كتبت شهادة وفاة هذا الملتقى من جهة، واشتدت أزمة القاعدة الدستورية بين مجلس النواب والأعلى للدولة من جهة أخرى، وليصدر كل منهما قانونًا منفردًا عن الآخر، ولتعمل المفوضية العليا للانتخابات بالقانون "البرلماني والرئاسي" الصادر عن مجلس النواب، وإن عارضه أعضاء من البرلمان واعتبروه غير شرعي باعتباره لم يُطرح في جلسة عامة للتصويت عليه، ناهيك عن عدم التوافق الرسمي والشعبي عليه.

المسار الحالي والمآلات

تسير البلاد حاليًّا وفق مسار يقضي بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية من دون دستور يحدد الصلاحيات، ولا المدد القانونية، ناهيك عن تعطل الإجراءات الدستورية التي تكون مصاحبة للعملية الانتخابية، وكذلك الاختلاف الحاد حول بعض المواد الانتخابية، كل ذلك يسير موازيًا للزخم الذي كان مصاحبًا لقبول ملفات الترشح؛ الأمر الذي يبين تعثر هذا المسار، وبالتالي فإن الأزمة ستكون مضاعفة، ولن تجد أطرًا قانونية للرجوع إليها، إلا عبر توافقات وحوارات جديدة تُبنى عليها العملية السياسية المقبلة في البلاد.

إن انعدام المجال السياسي الصحيح والسليم هو الذي أوجد هذا الاضمحلال في السياسة الليبية، بل وجعلها حكرًا على فئة محدودة تتحكم في جلِّ العملية السياسية في البلاد، وبالتالي أسس ذلك لنموذج سياسي مغلق منذ 2014 يدور في دوامات سياسية محددة لا يمكنه القفز عليها إلا بتجديد السلطة الشرعية والتنفيذية في البلاد عبر قاعدتها الشعبية أولًا، وبأطر دستورية وقانونية حقيقة ثانيًا، وإلا فإن الانسداد السياسي هو الذي يلوح في الأفق، ومن ثم العودة بالبلاد إلى المربع الأول من الاحتراب ومزيد من الاختلاف وحتى الانقسام.

كما أن المآلات المتوقعة للمسار السياسي الليبي في هذه الظروف والأحداث المصاحبة كما هو الحال في تحديد موعد جديد للانتخابات بدون وجود مرجع دستوري صحيح وسليم مرة أخرى فإنه يفتح الباب مجددًا أمام انسداد سياسي جديد قد تكون مفاتيح الخروج منه بالصعوبة بمكان، وعبر سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات الداخلية والإقليمية وحتى الدولية منها.

المصدر: الجزيرة
مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها