صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا تحوط صيني: تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي سياسة الإعدام الميداني للشهود على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟ لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟ بين الاستثمار والضبط: دوافع تباين علاقة حكومات الشرق الأوسط بـ "مؤثري الويب" المياه الأفغانية وإيران: قرن من الصراع الخفي رهانات مزدوجة: حدود صمود الاقتصاد الروسي أمام هروب الشركات الغربية قوات "الدعم السريع" والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات تلاشي الطفرة: لماذا تراجعت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة من كورونا إلى أوكرانيا: لماذا تتفاقم أزمة التمويل الإنساني في الشرق الأوسط؟ التمدد الروسي في إفريقيا الوسطى تفكيك سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا زيارة هرتزوج لأنقرة: لا ضمانات لتحسن العلاقات الإسرائيلية- التركية قريباً

القسم : دراسات وابحاث
نشر بتاريخ : Sun, 02 Jan 2022 03:01:43 GMT
مقاربات مفهومية: من سوسيولوجيا الشباب إلى سوسيولوجيا الرقمي

المستخلص:

يعتبر مفهوم الثقافة الرقمية Digital Culture من المفاهيم الحديثة في العلوم الاجتماعية، وهو”مصطلح يوضح آلية عمل تكنولوجيا المعلومات والإنترنت في تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها عموم البشر مع هذه التكنولوجيا واستخدامها في حياتهم العملية والشخصية، بل وللتدليل على علامات ومعالم الثقافة الجديدة التي تطبع الممارسات الثقافية للناشئة من أجيال الألفية الثالثة الموسومة بالعولمة الاتصالية والثقافية، وبخاصة التغيير الثقافي الحاصل في الفضاء العربي، مع ما يطرحه ذلك من تحديات ورهانات وتهديدات للمجتمع وخصوصياته. أمام هذا التنوع أصبح للشباب مؤسسات افتراضية مختلفة تشارك وبقوة في تنشئتهم الاجتماعية، مما يهدد مرجعيتهم. وقد تمكنت العلوم الإنسانية وبخاصة علم الاجتماع الإعلام وعلوم الإعلام والاتصال في الغربي، من قطع شوط هام بذلت خلاله منذ بداية اشتغالها بالمشكلات الطارئة جهدا ونتائج حمائية ووقائية وعلاجية.في علاقة بالتداخل بين الثقافة الافتراضية بمفرداتها الثقافة الجديدة والثقافة الفرعية لفئات النّشء الصّاعد والأجيال الجديدة وأنماط تفكيرها وأساليب عيْشها، وطرق تفكيرها، واتجاهات ممارساتها الثّقافية أصبحت تعرف اليوم “بثقافة الشباب”. إنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح أكثر هو ماذا ننتظر من الثقافة الافتراضية في علاقتها بالناشئة؟ وكيف يمكن للشباب أن يستفيد من هذه الثقافة الافتراضيّة الناتجة عن الثورة المعلوماتية ودونما انعكاسات سيئة أو مسيئة له؟

Abstract

The concept of digital culture is one of the modern concepts in the social sciences, and it is “a term that explains the mechanism of the work of information technology and the Internet in shaping the way in which general people interact with this technology and use it in their practical and personal lives, and even to demonstrate the signs and landmarks of the new culture that characterize cultural practices For young people from the third millennium generations marked by communicative and cultural globalization, especially the cultural change taking place in the Arab space, with the challenges, stakes and threats to society and its peculiarities. Faced with this diversity, young people have various virtual institutions that participate strongly in their social upbringing, which threatens their reference. Humanity, especially the sociology of media and the sciences of media and communication in the West, has made an important stride, during which it has made, since the beginning of its work on emergency problems, an effort and protective, preventive and curative results. , and the trends of its cultural practices became known to me and “youth culture”. The question that arises with more urgency is what do we expect from the virtual culture in its relation to the youth? How can young people benefit from this virtual culture resulting from the information revolution without bad or abusive repercussions for it?

تمهيد:

لقد أفرزت الثقافة الافتراضية بمفردات الثقافة الجديدة ثقافة فرعية تخص فئات النّشء الصّاعد والأجيال الجديدة بأنماط تفكيرها وأساليب عيْشها، وطرق تفكيرها، واتجاهات ممارساتها الثّقافية بِتْنا نُطلق عليها اليوم “ثقافة الشباب”. إن المسألة الثقافية الافتراضية أضحت ميسما يميّز الأنماط الحديثة من الثقافة حيث أصبحنا نتعامل في ذات الوقت مع ثقافات منصهرة في حيّز واحد خاصيّته التطوّر التكنولوجي المتيح للتفاعل بغض النظر عن الانتماء والتوجّه والمعتقد أيضا. على أن الطرف الثاني في هذه الثقافة الفرعية الجديدة فهو بتميز وامتياز  الشباب، تلك الفئة المؤثر والمتأثر تفاعليا أو انفعاليا بتلك الثقافة الافتراضيّة. هذه الوضعية الجديدة جعلتنا ندرك أنّ “وسائل الاتصال الحديثة بدءا بالقنوات الفضائيّة التلفزيونية وانتهاء بالانترنيت ومنصاتها مرورا بالوسائط والبرمجيات والتطبيقات الإلكترونية.. أضحت تتدخل بعمق في تشكيل وعي عموم الناس ولا سيما النشء إلى حدّ التحكّم في الرّقاب والتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة اليوميّة للأفراد. يحدث هذا بعد أن فقدت المؤسسة التقليديّة حرارتها لأن روادها أداروا ظهورهم عنها نحو الافتراضي الغازي”. فإذا كان هذا الخطر منطبقا أو محيطا بالرّشد فكيف يكون الأمر إزاء الناشئة المراهقة وفي في غمرة الشباب وسورته؟! وهو في رمال ثقافية متحرّكة تتقاذفه ذات اليمين وذات الشمال وتغوص به لترتفع مرة أخرى وهكذا دواليك. إنّ هذا الغزو الافتراضي المجتاح لكياناتنا رغما عنّا أو برغبتنا يجعل النشء في مختلف مراحله العمرية وتشكلاتها النفسية وخصائصها السلوكية عرضة لتأثيرات مختلفة ومتضاربة في كثير من الأحيان فتسقط مقولة التأثر التي كانت تنتج عن المطالعة والمحاورة والجدل وهي مقولة رافقت الثقافة الإنسانية مديدة ضاربة في التاريخ لتحل محلها مقولة التأثير الوافدة عن الزخم المعلوماتي حتى أصبحنا اليوم نتحدث عن ”حصار الثقافة” على حد تعبير مصطفى حجازي “إنّنا كما سبقت الإشارة بإزاء حتمية تكنولوجية متعاظمة في القوّة والانتشار. إن عوامل التأثير الكبير للتهيئة الافتراضية لا تدل على جدلية التفاعل بقدر ما تدّل على خطورة التأثير لارتباطه الواضح بأبعاد مختلفة من شخصية الطفل المراهق في علاقته بمختلف ”المعامل” المنتجة للثقافة الافتراضية، ويمكن اعتبارها أبعادا عقلانية، ترتبط بكمّ هائل من المعارف والمناهج والمعلومات التي تحتويها الشبكة العنكبوتية على اختلاف المشارب والتوجهات والغايات، ثمّ تأتي بعد ذلك للأبعاد الوجدانية المرتبطة بجانب الأخلاق والقيم والعواطف والأحلام والطموحات والنزوات أيضا. “فبداية من سنة 1980 تكوّنت شبكات جديدة لخدمة بعض الفئات والمنظمات”.  إنّ السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو ماذا ننتظر من الثقافة الافتراضية في علاقتها بالناشئة؟ وكيف يمكن للشباب أن يستفيد إلى أقصى حدّ من هذه الثقافة الافتراضيّة الناتجة عن الثورة المعلوماتية ودونما انعكاسات سيئة أو مسيئة له تنشويا؟ وماهي حدود العلاقة القائمة بين النشء وثقافته الفرعية الافتراضية الجديدة بين حاجته إلى الإشباع الافتراضي ومخاطر تخبطه في أشكال ومظاهر الإدمان الإلكتروني وإدمان الوسائط؟

1– سوسيولوجيا الشّباب أم ثقافة فرعيّة للشّباب؟

إنّ ظهور حقل “سوسولوجيا الشباب” كأحد حقول المعرفة الفرعية المستجدة في العلوم الإنسانية، أعطى مسوغات للدراسة والبحث في ثقافة فرعية مستجدة هي الأخرى ونعني بها “ثقافة الشباب”. وحين يستخدم علماء الاجتماع مصطلح ثقافة الشباب، فهم يتواضعون على أن الشباب كمرحلة من مراحل النمو الإنساني، تختص بثقافتها المعبرة عن مجموعة القيم والاتجاهات والآراء وأنماط السلوك التي تحظى بالمقبولية ضمن مميزات تلك المرحلة العمرية، والتي يختص أفرادها بصفات لا يتشابهون فيها مع البقية وهذا بحد ذاته حدٌّ من حدود الخصوصيات الثقافية.  إذ إنّ لكل شريحة متميزة من  المجتمع مهارات وممارسات وخصائص معرفية، وأنماط سلوك أخرى، لذلك غالبا ما تُقدم ثقافة الشباب كإحدى الثقافات الفرعية للثقافة العامة للمجتمع الذي تتحرك فيه، ونعني بها الثقافة التي تعكس الضمير الجمعي والعقل الجمعي واللاّوعي الجمعي في عناصر ثقافية عامة من الأفكار والسلوكات، والعادات والقيم، والطقوس والشعائر، والرموز واللغة، وهو المعروف بالنمط العام لثقافة المجتمع، الذي تظهر ملامحه الأساسية ضرورة في ثقافة الشباب على ما لها من خصوصية وتميز.  ورغم وضعية الوصل والفصل الثقافية الحاصلة بين ثقافة الشباب وثقافة المجتمع الأصلي، يستوعب المجتمع الواحد أكثر من ثقافة شبابية وذلك تبعا لمتغيرات البيئة الاجتماعية والفواعل والمؤثرات ضمن تلك البيئة من وسائل الإعلام  الاتصال الجماهيرية، والجماعات الأولية -مجموعات الأقران-  والمؤسسات التّنشوية المتدخلة في عمليات التكيف مع البيئة الثقافية، والمتدخلة أيضا بتفاوت في تشكيل ثقافة فرعية للشباب فضلا عن حدود التعرض لتلك المتغيرات ومدى التّأثّر بها.

لقد كان الشباب في المجتمعات التقليدية البسيطة ينصهرون دون عناء في ثقـافتهم العامـة الأصلية السائدة والتي كانت يلبـي غالب احتياجاتهم وما يستجيب لمستوى طموحاتهم وأسئلتهم الوجودية. وقد تم التعبير عن تلك الأريحية الثقافية بصيغة التوافق بين ثقافة الشباب والثقافة العامـة. وبعبــارة أخـرى لم تكن هناك ثقافات فرعية خاصة بالشباب ويعني ذلك بالنتيجـة أن الأسـئلة التي يطرحها الشباب وأن احتياجاتهم مـا كـانت فـي طــور المفارقـة لأسـئلة الأجيال السابقة ومن هنا كانت الثقافة البسيطة تلعب دورا كبيرا في تلبيـة احتياجات الجميع دون تخصص أو تشعب أو خصوصية. إننا إذا أقررنا اليوم بتشكّل في الواقع  لثقافة  فرعية شبابية، فذلك مبني على ما سلمنا به من قبلُ من وجود مجتمع الشباب في مجتمع شاب أو غير شاب ديمغرافيا، ويتطلب منا التدرج المنطقي بالتالي تحديد مفهوم الثقافة الشبابية، وتحليل  ومعالجة مظاهر الائتلاف  والاختلاف، أو ربما أشكال التجانس والتمايز بين ثقافة شبابية أو الثقافات الشبابية من جهة، والثقافة السائدة في المجتمع في الجهة الأخرى. ومن ثم نحدد خصائص ثقافة الشباب وعوالمها المغايرة والمتغيرة.  ولكن أيضا وقبل كل شيء، كيف تبلور تاريخيا مفهوم ثقافة الشباب ضمن سياقات تشكل مفهوم الثقافات الفرعية ؟

2– السّياق التّاريخي لظهور مفهوم الثّقافة الفرعيّة للشّباب/Youth Subculture Theory

 1.2-  في تأصيل الثّقافة الفرعيّة

يعتبر البحث في موضوع الثقافة الفرعية للشباب من إفرازات العالم الرأسمالي وأزماته وتحديدا وبالخصوص خلال الجدل الذي برز منذ ظهور مصطلح المراهقين الأثرياء” في البلدان الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، مع التركيز حينها  على الشباب الذكور.  إلا أن يرجع الاستخدام الأول لمفهوم الثقافات الفرعية في مجال العلوم الاجتماعية  إلى البحث الذي أجراه فردريك تراشر Frederic Thrasher حول عصابات مدينة شيكاغو الأمريكية في العام 1927، حيث يرى تراشر أن هذه الجماعات الجانحة لها تقاليدها وقيمها من خلال تأثير البيئة التي تنشأ فيها أفراد أوأعضاء تلك العصابات والتي جعلتهم أفراد منعزلين بل ومنفصلين عن الوسط الاجتماعي السو . ثم أتجه علماء الاجتماع بعد ذلك نحو دراسة وتطوير فكرة الثقافة الفرعية ، حيث ظهرت في العام 1929 لدى الفقيه القانوني الأمريكي أدوين سزرلاند Edwin Sutherland ، وذلك من خلال مناقشاته لفكرة أنساق السلوك  وكذلك وفكرة الأنماط العامة للسلوك بين الجماعات الاجتماعية الخاصة، والتي اهتم بتحليلها بعد ذلك هولينجشيد.  ومن نفس هذه الزاوية التاريخية  التاريخية يمكن الإشارة إلى  أهمية دراسة ” مارك إبرهامز” بوصفها  أول أهم  دراسة عن” ثقافة الشباب”  كانت قد اُنجزت بالمملكة المتحدة سنة 1959  وهي الموسومة بـ ) المستهلك المراهق (، وكانت هذه الدراسة في الأصل دراسة في التسويق، وهي عبارة عن مسح ميداني لجماعة الاستهلاك الجديدة التي ظهرت في الخمسينيات، وعند نهاية عقد الخمسينيات أصبحت هذه الدراسة مرجعا مهما لدى الشركات المتخصصة في إنتاج السلع ذات الطبيعة الشبابية. وتكمن الأهمية العلمية  لدراسة” إبرهامز”IBRAHAMS  من خلال إبرازها لشكل ونمط مميز لسلوك الشباب السوي أي غير الجانح، لكن بالمقابل كانت ثقافة الشباب في تلك الفترة تشير إلى جملة من الممارسات غير المرغوب فيها أو غير المقبولة اجتماعيا كان يمارسها بعض الشباب وبخاصة في الشوارع، أما من الناحية الاقتصادية كان ينظر إليهم على غرار بقية الفئات العمرية ليس على أساس سلوكهم السيئ، بل انطلاقا من خيارات السوق وهذه الخيارات كرست ثقافة الشباب، ومن محددات هذه الثقافة الفراغ  أو الوقت الحر للشباب، السلع المستهلكة أو واسعة الاستهلاك خلال وقت الفراغ، وأماكن قضاء الوقت الحر كالنوادي وقاعات الألعاب وتسريحات الشعر ومواد التجميل وألوان الموسيقى وغيرها.

وفق هذا المنظور يتضمن تعريف الشباب ”كجماعة استهلاك  groupe de consommation” نتيجتين أساسيتين: الأولى:  ثقافة الشباب تفسر باعتبارها مظهر أو جانب من جوانب الثقافة الجماهيرية، وكما هو متعارف عليه في اتراث السوسيولوجي ”الثقافة الجماهيرية” culture de mass ، مصطلح تم نحته من قبل رواد المدرسة النقدية في علم الاجتماع خلال عشرينات وثلاثينات القرن الماضي في انتقادهم لتأثيرات وسائل الاتصال الجماهيرية لسببين، أولهما أن هذه الوسائل لا تعطى للأفراد حرية في اختياراتهم الترفيهية والاستهلاكية، لأنها موجهة من قبل المنتجين ورجال المال والأعمال، وثانيهما أن الأفراد يقبلون بهيمنة وسائل الاتصال رغم محليتهم ومحدودية أفاقهم، وعليه فوسائل الاتصال الجماهيرية حسب مفكري مدرسة فرانكفورت  Frankfurt  تمارس نوع امن الهيمنة متمثلا في عدم تبيان طبيعة الحياة الحقيقية للأفراد في مجتمعاتهم بل تجسد الأوهام والخيالات التي ترضي الجميع أحيانا. ومن ثمة فالثقافة الجماهيرية تعني شكلا من أشكال الثقافة يتعرضالأفراد من خلالها للتأثير من قبل الشركات التجارية فتحدد هذه الأخيرة أنماط وسلوكات هي مظاهر الثقافة الجماهيرية في هذا السياق يطرح ”مارك إبرهامز”MARK IBRAHAM   سؤال على مستوى عال من المشروعية: هل ثقافة الشباب هي نتاج أو محصلة أو هدف لما يرغب رجال السوق وأصحاب المؤسسات الإعلامية؟ امتدادا لما سبق هناك من بعد ثقافة الشباب  culture de la Jeunesse   كواحدة من الثقافات الفرعيةSubculture ، هذا المصطلح ذاع انتشاره في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لدراسة خصائص الشباب وقيمهم، واتجاهاتهم وأنماط تصرفاتهم. بالإضافة إلى ذلك تعبر ثقافة الشباب عن أسلوب حياة مستقل عن عالم الكبار لا تخضع في الغالب إلى معاييرهم وقيمهم ومعتقداتهم وأساليب سلوكهم، بل يتأسس على نسق من القيم والمعايير والأفكار وأنماط السلوك غير مقيدة لما يريده الكبار، بمعنى آخر ثقافة الشباب هي شكل أونوع من اللغة والقيم الخاصة والتصرفات المتميزة التي أكثر ما تنطبع به التمرد والعناد والتلقائية والغطرسة اتجاه الكبار ولذلك نجدها توسم بالثقافة المضادة أو المعادية (Contreculture) .

ومن الباحثين في تاريخ ثقافة فرعية للشباب كذلك  DANO SULLVIAN حين تعرضه للثقافات الفرعية وخاصة ثقافة الشباب من تميز ظهور ثقافة الشباب خلال مراحل تاريخيه: وهي مرحلة ظهور موسيقى الروك (ROCK) في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي )ق20)، الشيء الذي أدى إلى اهتمام الشباب بالرقص والموسيقى، في نفس الفترة التاريخية تطورت حركة الاحتجاج السياسي فمثلا في حركة الطلبة في فرنسا مايو 1961، وكذلك حركة نزع السلاح ومعارضه امتلاك بريطانيا للقنبلة النووية. مرحلة ظهور العقاقير المرتبطة بالشباب- Drug (والمجتمع المتساهل  The permissive societyمرحلة ظهور الصحف السرية Underground News Paper  لكن هذا التاريخ لثقافة الشباب يميزه الغموض بعض الشيء. ومن  الدراسات الأكاديمية ا لغربية الأخرى المشتغلة على موضوع ثقافة الشباب التي أجراها “ديك هيبدابج” على جماعة “البانك” أو ما يسمون”بالمتشردين المتمردين” في السبعينات  الثمانينيات. أما  في العالم العربي الذي عرف عدة تحولات على مستوى البُنى الإجتماعية “على رأسها التحولات المرتبطة بتحديث المجتمع منها التمدرس وانتشار قيم الفردانية وانحسار سلطة الجماعات القرابية الأولية كالأسرة أو العائلة الموسعة”، كل هذه العوامل تعتبر أهم الإرهاصات الإجتماعية  المرتبطة بمفهوم الشباب في البيئة العربية.

ومن بين أهم وأسبق الدّراسات النظرية العربية حول الشباب و الثقافة الشبابية ، المقال الذي نشره الباحث التونسي عبد القادر الزغل أوائل الثمانينات من(ق20)، وقد حاول فيه التأسيس لنظرة جديدة حول مفهوم الشباب تتجاوز النظرة المركزية الأوروبية،  تمهد لطرح المشكلات الاجتماعية و السياسية المرتبطة بالشباب في فترة شهدت تنامي الفكر السلفي والحركات الإسلامية، وطرحت عدة قضايا كبرى على غرار قضايا الاندماج الاجتماعي والاقتصادي وأزمة الهويات الاجتماعية، ومن أهم ما جاء في بحث الزغل آنف الذكر والذي عنونه بـــNote pour un débat sur la jeunesse arabe  نفيه أن يكون  ظهور مفهوم الشباب حكرا على المجتمعات الصناعية الغربية، وهو يرتهن بشروط أساسية: أولها انتشار ثقافة خاصة بهذه الفئة الاجتماعية، وثانيها توفير أطر مؤسساتية منفصلة عن العائلة كالمدرسة .. إلخ . وبالتالي يجمع الشباب على أساس انتمائهم إلى هذه الفئة، ثم يخلص الزغل إلى القول بإن الاعتبارات الموجودة في الوطن العربي على بروز الشباب كفئة اجتماعية مستقلة أنها تحرص على ادماجهم في أطر اجتماعية لا تعترف بدور مؤسسات التنشئة الاجتماعية الثانوية التي من أُسسها السن، وهذا ما يؤكده. Fargues . PH   الذي يرى أن ظهور ثقافة شبابية مقترن بتقلص دور سلطة العائلة لعدم قدرتها المتنامية على عزل الجيل الناشيء فيها عن العالم الخارجي.

ويبدو أن مفهوم الثقافة الفرعية أثار الكثير من الإشكاليات النظرية والمنهجية حول تفسير الأنماط السلوكية التي تختلف عن السلوك العام داخل النسق الاجتماعي، ذلك أن ميلتون Melton مثلا ميَّز بين استخدامين لمفهوم الثقافة الفرعية، الأول يشير إلى “الأنساق المعيارية للجماعات التي تختلف عن المجتمع الأكبر”. وهذا الاستخدام يُعدّ الأكثر شيوعا لمفهوم الثقافة الفرعية، أما الاستخدام الثاني لمفهوم الثقافة الفرعية عند ميلتون Melton، فيحيل إلى وجود فكرة الصراع بين الجماعة والمجتمع الأكبر وهو ما أسماه ميلتون بالثقافة المضادة. ويشدد يانجرYanger على أن تعقد المجتمعات المعصرة وتمايزها هو مرد بروز الثقافات الفرعية، وإن اتفق  العلماء على عدم  تحرر هذه الثقافات كلياً من تأثير الثقافة الأم،  وتأثرها بها رغم استقلالها النسبي.

وتحظى ثقافة الشباب في هذا الصدد باهتمام واسع في الأدبيات السوسيولوجية الغربية مفهوما وممارسة بوصفها ثقافة فرعية تشير إلي أسلوب حياة مستقل عن عالم الكبار، بما للشباب من خصائص و تقانين وقيم واتجاهات وسلوكات تمثل جميعها نوعا من اللغة والقيم الخاصة والتصرفات المتميزة التي تغلب عليها روح التمرد، العناد، والغطرسة تجاه الكبار، والتهور، الشذوذ السلوكي، والانحراف الشكلي والمظهري مثل لباس أزياء مغايرة، وسماع موسيقى معينة والكلام بلغة مخصوصة غير دارجة والتجمع في مواضع محددة.. ولذلك تتجه بعض الكتابات السوسيولوجية إلى اعتبارها ثقافة مضادة أومعادية Counter Culture .

 2.2-  المفهوم السّوسيولوجي للثقافة الفرعية

الثقافة الفرعية مبحث في علم الاجتماع وكذا في الأنثروبولوجيا، إذ إن الأنثروبولوجيين هم من نحت مصطلح (الثقافة الفرعية) في البدء، ولكن علماء الاجتماع هم من وسع نطاق استعماله  العريض في  دراستهم للنزعة الجُنحية في خمسينات القرن العشرين، والتربية في الستينات، والأسلوب في السبعينيات. تُعرّف الثقافة الفرعية بالثقافة الثانوية، أو الثقافة الخاصة، أو الثقافة المعارضة. وهي تتعلق بمجموعة من الناس أو شريحة اجتماعية أو مجموعات من الناس ذات خصائص متماثلة، مثل العمر أوالعرق، أو أقلية لغوية، أوالطبقة الاجتماعية أو المعتقد الديني أو الإيديولوجيا السياسية، وكذلك المجموعات السرية. وهذه الثقافة تختلف في وجه معين أو وجوه مختلفة عن الثقافة الأكبر التي هي جزء متفرع عنها، وقد يشمل الاختلاف نمط الحياة أوالمعتقدات أو التخصصات أو المجالات المعرفية أوطرائق رؤية العالم والحياة. ومن النادر أن يطلق مصطلح “الثقافة فرعية” أو “الفئة فرعية” على بعض المهن التي تتطلب الانتقال من مكان إلى مكان مثل عمال البحار أو الدبلوماسيين أو المبشرين الدينيين إلخ.. بحكم ارتباطهم بثقافاتهم الأصلية من جهة،  واحتكاكهم بثقافات أخرى من جهة أخرى، أو ربما لارتباطهم بهابيتوس  HABITUS مهني متشاكل  **  كما في سوسيولوجيا بورديو. وفـي السياق الجغرافي يمكننا الحديث عن ثقافة المدينة وثقافة الباديـة وثقافة الريف وثقافة الشمال وثقافة الجنوب وثقافة الداخل وثقافة السـاحل إلـخ. وعلى المستوى العمري يمكن لنا أن نتحدث عن ثقافة الأجيال وثقافـة الأطفـال وثقافة الآباء وأخيرا عن ثقافة الشـباب وهـي ثقافــة تتمــيز بدرجـة عاليـة من الخصوصية والأهمية.  ويحسب للسوسيولوجيين في هذا الصدد عدم اقتصارهم على دراسة استهجان الأغلبية  الثقافية للثقافات الفرعية، بل إنهم قاموا بتشخيصها و بتتبع أعضاء تلك الثقافات في مختلف أوضاعهم وتبنيهم  لأساليب بديلة في مواجهة الثقافة  الواسعة أوالسائدة. ومن أمثلة الثقافات الفرعية، ثقافة الفئة البورجوازية، أو الارستقراطية بما لدى هتين الطبقتين من عادات واختلافات عن الطابع العام لثقافة المجتمع، ومن ضروب الثقافات الفرعية الجديدة في عصر ثورة المعلومات التي تناولتها الدراسات السوسيولوجية الجديدة ما يعرف بثقافة شباب المبرمجين وهم جماعات المتمكنين من مهارات الحاسوب وأمن المعلومات المعروفين بالهاكرHackers  أو قراصنة الحاسوب والانترنت أوالمخربين الإلكترونيين.

3- عوامل بروز الثّقافات الفرعيّة للشّباب

لا شك أن تزايد أشكال ومظاهر وأنماط  وأساليب الثقافة الفرعية للشباب في المجتمعات المعاصرة، ولسيما المجتمعات العربية التي تعيش على وقع المتغيرات المتسارعة الموسومة بالحراك الشعبي ومدده الشبابي. هذا الحراك الذي شمل عدد من دول ما يعرف بالربيع العربي، وما أعقبه من تطورات جمة طالت الثقافة الأصلية من جهة، ومن ناحية أخرى طورت الممارسات الثقافية الفرعية للشباب العربي في سياقها المجتمعي العام. تحولات يقرنها الدارسون بجملة من العوامل الأصلية والمؤثرات الذاتية والخارجية وهي:

           اتساع حجم المجتمع: فالمجتمعات الأكبر حجماً ديمغرافيا غالباً ما تفرز بالتبعية العديد من الجماعات الفرعية التي تطور بدورها أنماطها الثقافات الفرعية الخاصة بها.(نموذج المجتمع المصري).

           ارتفاع معدلا التغيير الاجتماعي: فالمجتمعات التي تتسم بالتغيرات المجتمعية السريعة، غالبا ما يتعذر فيها الانتقال الهادئ من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، وتظهر فيها أكثر التناقضات بين الأجيال و الاختلاف الجلي بين جيل الآباء و أجيال الأبناء، الذين تتعالى أصواتهم المطالبة بالتغيير رفضا للأفكار الموروثة ولتقاليد الماضي فيطفقون في البحث عن هوياتهم الجديدة واصطناعهم لثقافاتهم المختلفة. (نموذج المجتمع التونسي).

           تفاقم العولمة الاتّصالية للمجتمعات: إن وضع التشبيك العولمي الذي حول العالم إلى قرية صغيرة كما بشر بذلك شرام منذ الخمسينات، هيّأ لارتفاع صبيب انتقال المعلومات، وانسياب أدفاق الأفكار وانتشار تلقائي للثقافات العالمية. وكانت من النتائج الحتمية والطبيعية لتلك المتغيرات المتسارعة تصاعد الثقافات الفرعية للشباب وتعاظم دور جماعات الفرعية حيويا بما أفرز مفهوم القرية العالمية والمجتمع العالمي والمجموعات العالمية المستندة إلى الانفجار التكنواتصالي، الذي استوعب الشباب واستوعبه الشباب فكانت حتميات تشكلات الانفتاح الخارجي والانغلاق الداخلي الشبابي، والتشرذم المحلي والتجمع العلمي الشبابي الذي أعاد صياغة تمظهرات المجتمعات في العالم بأسره.

           الحضور الفاعل للشّباب ومشاركته في المجتمع: حينما يكون الشباب وثيق الارتباط بمركز الثقافة السائدة ومشاركا فيها، يكون في حالة انسجام مجتمعي ويندر أو ينتفي مبرر تمرده عليه، أو رفضه للواقع وبالتالي تتلاشى مسوغات اضطراره لتكوين ثقافة مناوئة أو مضادة أو معادية لثقافة المجتمع أو على هامشه. ويمكن القول إذن أن الأفراد من الشباب المهمشين والمحرومين والمنسيين والممنوعين من التعبير أومن اتخاذ الموقع المناسب في مجتمعاتهم غالباً ما يعبرون عن غبنهم وإحساسهم بالتهميش عبر أساليب الرفض وسلوكات المقاومة أو أنماط مجابهة الثقافة السائدة.

           حجم كتلة النّاشئة والّثقل الشّبابي في المجتمع: إذ إنّ التّغيير الاجتماعي يرتبط موضوعيا بحجم الأجيال النائشة ما في المجتمع، وهو أمر يغذي صعود الثقافات الفرعية للشباب في المجتمعات الشابة ديمغرافيا، باعتبار تأثير البنية العامة للشرائح العمرية في مجتمع ما على التكوينات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة بكل فئة أو جماعة عمرية. فتراجع حجم الشباب في المجتمع سيفرز حتما تراجع حضوره ضمن القوى العاملة به، كما أن هذا التراجع في نسبة الشباب كقوة إنتاجية في السوق وطرف استهلاكي يُعدّل بشكل ذي دلالة من إمكانيات البروز الاجتماعي والحضور السياسي لهذه الفئة العمرية في مجتمعاتها.

           ارتباط تصاعد الأزمات والمشكلات الاجتماعية بالشّباب: فمحليا وعالميا ارتبط الحضور الشبابي في المجتمعات الحديثة بالقضايا والأزمات الاجتماعية، كل ذلك مع ما يميز الشباب من روح نقدية تجاه الواقع والمجتمع بنظمه ومؤسساته محليا ودوليا. فمن من المنظور الوظيفي يعتقد السوسيولوجيون أن ثقافة الشباب لها دورا وظيفيا، وأن ظهورها كان كرد فعل لمجموع التغييرات التي مست الحياة الاجتماعية، والتي أفرزت وأنتجت مجموعة من المشكلات. يمكننا القول إذن أن ثقافة الشباب كانت تصديا لها أو مظهرا من مظاهر مواجهة المشكلات المصاحبة للتغير الاجتماعي في العديد من المجتمعات، الوظيفة التي تمارسها ثقافة الشباب إذن هي تخفيف حدة وشدة التوتر الملازمة لعملية الانتقال العمري من الطفولة  إلى الرّشد إلى البلوغ.

           اندراج الشّباب ضمن مجتمع الاستهلاك وقوانين التّسويق: ذلك أن نزوع الأجيال الصاعدة إلى الرّفاه المادي والمظهرية الاستهلاكية،  بعد ارتفاع نسبة اندراج العمالة الشبابية ضمن  سوق الشّغل منذ منتصف القرن الماضي(ق20) وإقبال مركز الإنتاج عليها، أسس إلى نزعة استهلاكية لدى الشبيبة فاقت توقعات الاقتصاديين والمنتجين، لأن هذه الفئة تستهلك سلعا معينة بنسب عالية كالملابس، المحسنات التجميلية،الوجبات السريعة الجاهزة والمعلبة، الأجهزة الإلكترونية، الوسائل والتجهيزات الاتصالية الحديثة، السيارات…هذا ما أدى إلى الاهتمام والتركيز على الأذواق الفنية والجمالية الشباب  بوصفهم قوة شرائية وفئة استهلاكية إلى حد التبذير والرفاه، خاصة من خلال المنشطات الاقتصادية، وتقنيات الإبهار المعتمدة في اقتصاد السوق كالإشهار والاستشهار ومختلف آليات التّسويق والتّرويج.

           حضور وسائل الإعلام الجماهيري التّقليدية في حياة الشّباب: سجلت وسائل الإعلام الجماهيري Mass Media في أشكالها التقليدية (صحف، مجلات، تلفزيون، راديو) حضورا لافتا في حياة الشباب ولسيما شباب العالم الثالث ما قبل الألفية الثالثة، حيث كانت تعتبر مصدرا أساسيا لمعلوماته وفضاءًا شاسعا لممارساته الثقافية، ومجالا مهما لتمضية أوقات الفراغ واستغلال الأوقات الحرة لدى الناشئة. وبهذا  مارست هذه الأوعية  دورا محوريا في تشُكل الثقافة الشبابية باعتبار أن جمهور الشباب في طليعة المستهدفن من أغلب المضامين الصادرة عن الإعلام التقليدي، فضلا عن اعتبار المجال الخاص بالشباب أفضل فضاء لتسويق المنتوجات المادية (المنتوجات الاستهلاكية كالمأكولات والمشروبات، والموضة والملابس..)، فضلا عن المنتوجات اللاّمادية كالأفكار، والقناعات الإيديولوجية، والاتجاهات الموسيقية، والبروباغاندا السياسية والاستقطابات الانتخابية..). كما يمكن لوسائل الإعلام التقليدي في بعض مضامينها الشبابية (برامج الترفيه والمسابقات، وبعض الإنتاجات الدرامية، والبرامج الرياضية..)، أو عبر قنواتها ومحطاتها المتخصصة، أن تتيح للشباب أنواعا وأساليب وممارسات متنوعة تمكنهم من التّغلب على ثقافة الكبار التي يرفضونها في كثير من الأحيان، ومن ثم تعزز انخراطهم التلقائي ضمن ما يعرف بالثقافات الفرعية الشبابيةSubcultures des jeunes  بتشكلاتها وتفريعاته وأنماطها وممارساتها الحرة. ورغم ما تبدو عليه هذه الثقافة الشبابية من ممارسة شبابية حرة فإنّ تلك الممارسة تبقى خاضعة إلى وجوه الوصاية والتبعية غير البريئة لدوائر الإعلام ودوائر القرار القائمة، والتي تعمل في الغالب وفقا، لنظريات اتصالية تنمط الجمهور الذي يخضع إلى حصيلة متفاوتة من التعتيم والتركيز و التأثير والتوجيه المحنطة للجمهور بسبب السلبية في التقبل، وغياب الأبعاد التفاعلية الجماهرية، وتحجيم القدرات النقدية أو مراعاة أفق التلقي والانتظارات الجماهرية ورجع الصدى  back- Feed لدى جماهير الناشئة .

           تأثير ومشاركة الشّباب في الميديا الجديدة والميديا الاجتماعية: للميديا الجديدة اليوم كل مواصفات التفوق على الإعلام الجماهيري Mass media  ، فهي تتتميز وتمتاز باستنادها إلى تفوق تكنولوجي غير مسبوق، من حيث أنها بالضرورة رقمية وهي خصلة تتيح التخزين الواسع والنوعية عالية الجودة، الخصلة الامتيازية الثانية للميديا الجديدة خاصيتها التفاعلية المتيحة لسهولة التواصل بين أكثر من 3 مليارات مرتبط بالشبكة العنكبوتية من مستخدمي الانترنت حول العالم بما يعطيها صفة الميديا التشاركية. الخصلة الثالثة للميديا الجديدية تتمثل في أنها متعددة الوسائط Multimedia ومتعددة المنصات Cross media، فعمليات  إنتاج المضامين الإلكترونية المندمجة وإشاعتها وتعميمها  على شتى المحامل بسرعة وجودة عالية فضلا عن تأثيرها الواسع ومرونة التفاعل والتقييم الجماهيري . أما خصلة التفوق الأخرى للميديا الجديدة  فهي القوة الاستقلالية والتمكين التحرري لما يعرف بجماهير الإعلام البديل عن مقولة الإعلام الجماهيري المنتجة  لمحتوياتها الخاصة دون رقابات أو وصايات أو تعتيمات وهو ما أطلق عليه المحتوى الذي تنتجه الجماهيرUsers Generated Content  الذي أنجب أدفاق الصحفيين المواطنين الجدد العابرين لحدود الثقافات والكاسرين لعوائق اللغات. في هذه الغضون ليس من خلاف أن الشباب يمثل قطب الرحى لهذه الميديا الجديدة، وبخاصة فضاءات الميديا الاجتماعية التي احتلت المجال الاتصالي والمجال الإعلامي بمتغيراتها المحملية ومضامينها التفاعلية المتجاوزة للمصادرة الجماهرية من قبل الإعلام التقليدي بمواصفاته الجامدة والماكثة على القوة التأثيرية والقدرة التوجيهية بدل سمات التفاعلية المشاركة الديمقراطية.

           ظهور الميديا التفاعلية الجديدة واكتساح الشباب فضاء صحافة المواطنة: وفي هذا السياق العمومي التفاعلي، نشأت الصحافة التفاعلية أوصحافة المواطنة وبحضور شبابي لافت، وهي عبارة عن نوع جديد من الصحافة يتيح للجمهور إمكانية المساهمة بشكل مباشر في صناعة الخبر . ومن خلال تقنية ويب 2.0، يمكن للمراسلين إجراء محادثات مع الجمهور. لقد أسهم العصر الرقمي في تغير الطريقة التي يتبعها الأشخاص في جمع المعلومات. فشهدت الصحف، بعد أن كانت المصدر الوحيد للأخبار، حالات من التراجع في تداولها نظرًا لقدرة الأشخاص على الحصول على الأخبار من الإنترنت مجانًا. فعندما يتسلح أي مواطن بمجموعة من الآلات الاتصالية الإلكترونية الصغيرة (كاميرا رقمية،آلة تصوير رقمية، حاسوب محمول، مسجل صوتي صغير، هاتف جوال ذكي..) وينزل إلى الميدان ويتجه صوب الحدث ليقتنص الأخبار، فهل تمكنه تلك التقنية الذكية من أن يتحول إلى صحفي؟ عندما ينشر أي مواطن في فضاء مدونته أخبارا ومعلومات لم تتمكن المؤسسات الإعلامية التقليدية العريقة من الوصول إليها فهل يضفي عليه ذلك السبق الصحفي صفة المواطن الصحفي ؟ هذه الإشكاليات تبقي الجدل والنقاش قائما حول صحافة المواطن، وبمثابة إعلان ليس فقط عن مزايا هذه الظاهرة – فهذه المسألة ستبقى موضوع سجال فكري وأكاديمي ومهني مفتوح- بل إن في الاعتراف بإحداث صحافة المواطن لهزة مسلكية وحرفية  ذات أبعاد فكرية فيما كانت وستؤول إليه الصحافة التقليدية في مواجهة الاستعمالات الاجتماعية والثقافية الجديدة لتكنلوجيات الاتصال الحديثة وتمثلاتها وخاصة منها شبكة الإنترنت. وقد كان ولا زال يشار إلى هذه الظاهرة الإعلامية باستعمال مصطلحات متنوعة من قبيل:“الصحافة التشاركية”(participatory journalism)/ و”الإعلام مفتوح المصادر”(open-source media)/ و”الإعلام الديمقراطي” (dimocratic media)/ و”صحافة الشارع”(street journalism)/ و”الإعلام البديل”(alternative media)/ و”الصحافة الشعبية” (grassroots journalism)/ والصحافة الشبابية (Youth journalism  إلى غير ذلك من التسميات والمصطلحات التي كانت قد طورت من طرف الباحثين في هذه الظاهرة الإعلامية والمنظرين لها. لكن أمام هذه التداخل في المصطلحات فإننا نلاحظ إجماعا على تبنى مرجعيات مصطلح “صحافة المواطن” وهو المصطلح الأكثر حضورا في أدبيات الأطراف النشطة في هذا المجال وتوافق ضمني على دلالة هذه المفردة الجديدة في قاموس الإعلام والاتصال والتي يمكن حصرها في اعتمادهاعلى  شبكة الإنترنت كفضاء للنشر والتعبير عن الرأي، وتأكيد حضور المواطن في قضايا الشأن العام ودعم الممارسة الديمقراطية، واعتبار مخرجات صحافة المواطن امتدادا لمرجعيات الإعلام البديل والصحافة البديلة، مع رفض الخلفية الرأسمالية والعقلية التجارية في الإعلام، ورفض الخلفية الاحترافية والوصاية الأكاديمية،  رفض الخلفية المؤسساتية الاحتكارية للممارسة الإعلامية، واعتبار الإعلام رباط الممارسة الديمقراطية المتجسد في حق التعبير، واعتبار الشباب الأقدر بين  المواطنين على المبادرة الإعلامية الديمقراطية الجديدة. وغالباً ما يلجأ الشباب إلى التثقف والتعرف بشكل مستمر على مجريات الأمور في الساحة المحلية والعالمية، لمواكبة كافة التطورات والتعبير عن آرائهم فيها”. ويعتبر الفضاء الإلكتروني المجال الشرعي لممارسة الإعلام المواطني والشبابي الجديد عبر:

+ الشبكات الإجتماعية: هي عبارة عن مواقع تستخدم من قبل طرف واحد، وهي تحقق التعارف والتواصل الإجتماعي وإقامة العلاقات، ويمكن من خلالها أن يكتب نصوص ومقالات وينشر صور والفديوهات ومن أشهرها: تويتر، الفيسبوك، واتساب…

+المدونات: هي موقع شخصي ووسيلة جديدة وهامة في الاتصال وتحرير الكلمة متعددة الاهتمامات والمجالات، يعبر فيها المدوّن عن أي موضوع وفي أي مجال دون قيود ويرجع ذلك للحرية المطلقة وعدم وجود رقابة، تكون موجهة للجمهور الذي يقاسمه نفس الاهتمامات وتمكنهم من التعليق عليها.

+مواقع بث الفديو: وهي مواقع تتيح إمكانية بث مقاطع فيديو مسموعة ، أو مرئية، ويمكن حتى تحميلها ومشاهدتها، و هناك عدة مواقع مشهورة جدا، لدرجة أنها أصبحت تبيع مقاطع من مضامينها لوسائل الإعلام، بل وحتى هذه الأخيرة تقوم ببث برامجها عبر هذه المواقع، ومن أشهر تلك المواقع (يوتيوب).

+المواقع الإخبارية التشاركية: أو ما يطلق عليها “الويكينيوز” وهي مواقع شبيهة جدا بالصحف الإخبارية، لكن يشارك في إنتاج وإعداد محتواها مواطنون عاديون يكونون في الغالب متطوعون و ناشطون حقوقيون و هواة يقومون بالتدقيق في موضوعية ومصداقية كل خبر، ومن أشهر تلك المواقع موقع (أوه ماي نيوز Oh My News ) الكوري.

+مواقع التحرير الجماعي: هي مواقع تقوم على إنتاج ونشر الصفحات على الإنترنت حيث يسمح لزوار المواقع بأن يضيفوا أو يعدلوا أو يكتبوا ما يريدون، وينشروا ذلك بصورة لحظية على الإنترنت. ومن ثم فإن هذه التقنية تتيح الفرصة لظهور مشروعات كبرى قائمة على المشاركة التطوعية من عدد كبير من الأفراد ومن أشهر الأمثلة عليها(موسوعة ويكيبيديا، موقع المدونة).

لقد ساهمت ظاهرة صحافة المواطنة في إيجاد فرص مهمة لمعرفة الحقائق عن قرب، والتعرف على حياة الشعوب، وساهمت في تنمية وعي الأفراد والمجتمعات، وأطلعتهم على عوالم لم يكن من الممكن الاطلاع عليها لولا هذا الإعلام الجديد، وهذه الثورة التكنولوجية المعاصرة. فصحافة المواطن تعتبر جوابا من بين الأجوبة التي تثيرها كل تلك الأسئلة المهنية المكررة في المجال الصحفي، فهي تمتاز خاصة بمجموعة من المواقف التصحيحية لدور الصحافة أكثر من كونها نمط به مجموعة من القواعد الصارمة. والخلاصة أن صحافة المواطن هي ردة فعل قد تكون في نفس الوقت عفوية، وواعية بتقلص حضور المواطن في قضايا الشأن العام، وتأكيد لحالة من التشكيك في مصداقية الصحافة، وهي بذلك تعكس ظرفا حرجا من عدم الثقة بين وسائل الإعلام التقليدية والجيل الجديد من مستخدمي الإنترنت والإعلام الإلكتروني وغالبهم من الشباب.

4- الشباب والميديا الجديدة: صحافة المواطنة أم صحافة الشباب؟

تعج مواقع الصحافة التشاركية بحضور شبابي لافت، فنحن هنا بصدد الحديث عن النشطاء أو الفاعلين مع أدوات الإنترنت الجديدة، وإذا أخذنا المدونين نماذج لهؤلاء النشطاء فيمكن توضيح أن أهم ما يميزهم هو الحرص على التعبير عن أنفسهم بحرية تامة، وبالطريقة التي تحلو لكل واحد منهم، وقضاء أغلب أوقاتهم أمام أجهزتهم المتصلة بالإنترنت، التي غالبا ما تكون في منازلهم، لسهولة الاتصال دون وقت محدد أو نظام معين يحد من استعمالهم للإنترنت. وذلك إلى جانب أنهم غالباً ما يكونون معارضين أو ساخطين على الأوضاع السياسية أو الاجتماعية الموجودة في الواقع، لذا فإنهم يجدون في أدوات الإنترنت الجديدة متنفساً لهم للتعبير عن تلك الآراء المعارضة. كما أنهم باتوا أكثر حرصا على التمكن من مهارة التعامل مع الإنترنت بصفة عامة وأدوات الإنترنت الجديدة لإيصال رسالتهم بشكل سريع وسهل. وغالباً ما يلجأ الشباب إلى التثقف والتعرف بشكل مستمر على مجريات الأمور في الساحة المحلية والعالمية، لمواكبة كافة التطورات والتعبير عن آرائهم فيها.

يمكن القول أن صحافة المواطن تسعى أكثر إلى إعادة الاعتبار والتمسك بسلة المثل التي تبشر بها الديمقراطية، وكيف أن المواطن بإمكانه أن يقرر مصيره ويحدد مستقبل أبنائه، ويختار نوعية الحياة التي يريدها، ومن خلال مشروعها لإنقاذ الديمقراطية، وبمعنى آخر تريد صحافة المواطن إنقاذ الاتصال والإعلام من آليات التوظيف والإحتكار. ويصبح ذلك ممكنا من خلال تفعيل الجدل والحوار الديمقراطي حتى يتمكن الناس- كل الناس- من تحديد مستقبلهم الفردي والجماعي بكل حرية وشفافية، وبعيدا عن كل أشكال الضغط والتلاعب. وستنجح صحافة المواطن عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمؤثر في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عبر صحافة تلتزم بالقيم والأخلاق بعيداً عن التجارة بمستقبل وحياة البشر، وهذا يعني نقل الحقيقة بموضوعية وعدم الانحياز إلى جانب على حساب الآخر، بمعنى الابتعاد عن التكهنات والآراء الشخصية المتعصبة لفكر أو أيديولوجية معينة.

5- أبعاد ثقافة الشباب الجديدة:  ثقافة رقمية وافتراضية

إذا كانت الثقافة مكتسبة، ينقلها الأفراد جيلا بعد جيل عـن طريـق مؤسسـات اجتماعية بدءً من الأسرة، من خلال التفاعل الاجتماعي في صورة الاتصال، فإن ثقافة الشباب هي الأخرى مكتسبة عن طريق مؤسسات اجتماعية أهمها جماعة الرفاق ووسائل الاتصال الحديثة (الاتصال الرقمي). وهذا ما يؤكد أن هناك من المهارات و الخبرات التي لا يمكن للأسرة أو الآباء نقلها لأبنائهم الشباب، بل يكتسبها هؤلاء من خلال انتمـائهم إلـى المنظمات غير الرسمية، كجماعة الرفاق مثلا.  “إن ثقافة الشباب التي تتطور داخل جماعات الصداقة الغير الرسـمية  والتي تقوم أساسا على العلاقات الاجتماعية التلقائية الأولية هي بمثابة وسيلة غير رسمية تحظـى بـالقبول العـامل لتنشئة الذاتية للشباب… فإن الدراسات الحديثة قد كشفت عن أن هذه الجماعات الأولية تنتشر فـي المجتمـع فـي مجالات متنوعة وتحدث تأثيرا ملموسا في مواقف الفرد واتجاهاته سواء في مجال العمل أو الدراسة أو قضاء وقت الفراغ.  فالشارع والمدرسة إلى جانب “المجتمع الشبكي” أو “المجتمع الافتراضـي” تعتبر الفضاءات الاجتماعية، التي تتبلور فيها الثقافات الفرعية لدى الشباب، تأكيدا لذواتهم تميزا وحضورا بالمجتمع، حيث يتاح  للشباب في هذا الفضاء توسيع دائرة علاقاتهم، فضلا عن تحررهم من القواعـد والضـوابط التـي تفرضـها الأسـرة والمؤسسات التعليمية. وهذه الفضاءات الجديدة يمثلها مجموعة من الرفاق الافتراضيين الذين “يتفاعلون في بيئة مكثفـة من مؤثرات التغذية الراجعة بين الهوايات الالكترونية وأصحابها الحقيقيين… وعلى هذا الأساس يلاحظ أن كل مجتمع  افتراضي يطور ثقافته (الافتراضية) الخاص .

1.5- في دلالات الثقافة الافتراضية/ الثقافة الرقمية/ الثقافة الإلكترونية.

1.1.5- الثقافة الافتراضية

“الثقافة الافتراضية” أو “الثقافة الرقمية” أو “الثقافة الإلكترونية”، عناوين شبه مترادفة للتدليل على علامات ومعالم الثقافة الجديدة التي تطبع الممارسات الثقافية للناشئة من أجيال الألفية الثالثة الموسومة بالعولمة الاتصالية والثقافية، وبخاصة التغيير الثقافي الحاصل في الفضاء العربي، مع ما يطرحه ذلك من محددات وتحديات ورهانات وتهديدات للمجتمع وخصوصياته بفعل الاندراج ضمن مقومات القرية الكونية الصغيرة التي لم يعد بالوسع سوى التعامل مع سرعة انتقال واندفاق منسوب معلوماتها العالي عبر الطرق السيارة التي أتاحتها شبكة الإنترنات، وهي التي اخترقت كل الحواجز الوقائية والسيادية واقتحمت الفضاءات والبيوتات والمؤسسات، مخلفة وراءها انشطارات في الثقافات وضمورا وتشوهات في العلاقات الاجتماعية، وأفرزت ممارسات وسلوكات وتصرفات شبابية باتت حقلا فسيحا للبحوث الإعلام والاجتماع والبحوث الثقافية وأذكت فضول المختصين وملاحظاتهم وأبحاثهم العلمية وتحليلاتهم الميدانية. إن السرعة المذهلة التي رافقت تعاقب الابتكارات خلال الخمسين سنة الماضية بصورة في مجال الحواسيب الآلية وتطبيقاتها وبرمجياتها، خاصة خلال ثمانينات القرن العشرين بعد ابتكار الحاسب الشخصي  والحاسب المحمول جعل منه الصناعة الأهم بين المنتجات الحديثة والمتطورة التي تفوقت على سائر الصناعات العسكرية والمدنية وشهدت الأعوام اللاحقة تطورات  أسرع وأدق وأخطر زادت من أهمية  قدرات هذه الأجهزة التكنواتصالية  خاصة بربطها ببعضها البعض في اتجاه تمكين الشبكة من كفاءة تبادل الملفات والتقارير والبرامج والتطبيقات والبيانات وتعميم الترابط والاتصال بين عدة شبكات معلوماتية اصطلح عليه  بالإنترنات (Internet).

2.1.5- الثقافة الرقمية

يعتبر مفهوم الثقافة الرقمية Digital Culture من المفاهيم الحديثة في العلوم الاجتماعية، وهو”مصطلح يوضح آلية عمل تكنولوجيا المعلومات والإنترنت في تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها البشر مع هذه التكنولوجيا واستخدامها في حياتهم العملية والشخصية.  إذ تشمل الثقافة الرقمية الطرق والتقنيات والوسائط الجديدة التي يمكن استخدامها لأداء المهام المطلوبة”. وهو بالتالي مفهوم  “يشير إلى المجال الذي يرتبط بـه (المجال الرقمي) مثله مثل الثقافة الصحية (المجال الصحي) والثقافة البيئية… وتعني هذه المصطلحات التمكن من مجـال معين أو امتلاك الفرد للسلوكيات المعرفية التي يستطيع من خلالها التفاعل مع هذه المجالات”. ويكمن جوهر الثقافة الرقمية في تمكّن الأفراد والمجتمعات من قدرات استخدام البرمجيات والتطبيقات الرقمية على مختلف المحامل والمنصات نظرا لأهميتها في إنجاز أعمالهم الوظيفية والشخصية وقدرتهم على إبلاغ المعلومات والنفاذ عبر اسـتخدامهم لهذه الأجهزة الرقمية. مصطلح الثقافة الرقمية التي تشير إلى معطيات جديدة يفرضها عالم التطور العلمي والحضاري، فقد وحّدت هذه الثقافة شعوب العالم وجعلتها تتوق إلى تشكيل معرفة واسعة، وأصبح يطلق على هذا المجتمع الموحّد تسميات مختلفة، منها مجتمع المعرفة ومجتمع المعلومات، حيث أصبحت المعرفة أهم مصادر التنمية، وإنتاج المعرفة أهم مصادر الدخل القومي، حيث تُوفر كما هائلا من المعلومات مع توظيفها لصالح المجتمع.

على أن تجليات الثقافة الرقمية في أوساط الشباب تكمن في المهارة التي يتمتع بها هؤلاء في استخدامهم لوسـائل الاتصال الرقمي وعلى رأسها الحاسوب الموصول بشبكة الانترنت والهواتف الذكية دون أن يكون لهم تكوينـا خاصـا، وكذا قدرتهم على بناء علاقات افتراضية عبر مواقع التواصل الاجتماعي حيث يكون متحررا من جميع القواعد والقيود الاجتماعية.وهو الأمر الذي يبدو واضحا في الانترنت… حيث الإبحار كونيا بصورة رقمية تتجاوز المحدود والمقنن والمقيد، ولا يوجد إلا القيد التكنولوجي والطقوس والقواعد الافتراضية… يلتقون رقميـا، بقواعـد أكثـر تحـررا وطقوس جديدة ينشئونها لأنفسهم تناسب طبيعة مجتمعهم الجديد وأهدافه الرقمية، بإجادة عدة أنشطة وممارسات ثقافية افتراضية من خلال قراءة صفحات الكترونية عديدة والاستماع إلى الموسيقى والتواصل مع شخوص افتراضية والتنقلات الميدياتيكية من محيط معلوماتي إلى آخر، في وقت واحد وبشكل سريع مع الإفلات من كل أشكال الوصاية والتبعية باعتبار أن تلك العمليات اتصالية شخصية. يتمز هؤلاء الشباب في ذلك بسرعة ردة الفعل فـي التعبير والتفاعل والتواصل خلال الممارسة الإلكترونية. ويؤكد هذا تفوقهم وحذقهم لاستخدام الأنترنت، رغم غلبة الترفيه والتواصل. بيد أنه ومما يحسب لهذه الثقافة الجديدة مزايا جمة تشمل عملية تدريس وتعليم ما يتعلق بالتكنولوجيا واستخدامها وكيفية عملها بهدف الاستفادة منها بأكثر من طريقة ملائمة التعلم والتمكن من التكنولوجيا قبل استخدامها، مع التحقق من دقة وصحة المعلومات وتقييم المصادر المختلفة في الشبكة العنكبوتية، وكذلك مشاركة المعلومات الصحيحة في مواقع التواصل الاجتماعي، فضلا عن كشف وتطوير أنماط التعلم على الشبكة العنكبوتية والتعلم عن بعد، علاوة عن توظيف المعلمين للتكنولوجيا بطرق جديدة ومبتكرة لتحفيز تعلم الطلاب وتنمية مهارات القرن الحادي والعشرين، مع توفير محتوى رقمي دقيق ذو صلة بمجالات تعليمية متنوعة.

 6-  الهوية الرقمية والافتراضية للثقافة الجديدة للشباب

ما من شك أن هوية الثقافة الجديدة للشباب كعنوان فرعي لسوسيولوجيا الشباب وثقافته الفرعية مبنية على أسس اتصالية تواصلية تظل هوية رقمية افتراضية تحكمها قواعد 1.0 وتشرعها أبعاد ومسوغات شتى للحتمية التكنولوجية التي تحكم هذه الثقافة، ولعل أبرز ما يعزز  تجليات تلك الهوية ما يلي:

1.6–ارتباط الشباب الحيوي بشبكة الإنترنت الوسيط الأوسع انتشارًا جماهريًّا في التاريخ البشري: تعتبر شكة الانترنت الأكثر بين الوسائط الاتصالية ذيوعا وشيوعا من حيث الانتشار الجماهيري في العالم. ففي حين  تتطلب بلوغ  انتشار المذياع  عدد الـ 50 مليون مستمع 38 سنة كاملة بعد اختراعه في العام 1895، بلغ عدد مشاهدي التلفزيون 50 مليون مشاهد بعد 13 سنة من ظهوره سنة 1926. بيد أن الانتشار الجماهيري القياسي الفائق للانترنت لم يتطلب سوى 4 سنوات لبلوغ عتبة الـ50 مليون مستخدم بين أفراد ومجتمعات العالم من تاريخ ظهور الشبكة في العام 1969. ويبلغ عدد المرتبطين بالشبكة في العالم في العام 2015 حوالي 3 مليارات نسمة، أي بنسبة ارتباط 40% من سكان المعمورة. أما عدد المرتبطين عبر الهواتف الذكية فقد تجوز ذلك الرقم ليبلغ 7 مليارات اشتراك هاتفي. وتؤكد الإحصائيات الدولية أنه قبل عقد من الزمن كان عدد المتصلين في الإنترنت حول العالم لا يزيد عن 1% من إجمالي سكان الأرض.  على أن هذا الانتشار يبقى متفاوتا بين شعوب ودول العالم، حيث توجد الصين على رأس الجدول بما عدده 641 ألف مليون مستخدما، تليها الولايات المتحدة بـ 280 مليون مستخدما. عربيا لا تزيد نسبة مستخدمي الإنترنت العرب عن نصف في المائة -0.5 % -من عدد المستخدمين الإجمالي في العالم. و تتصدر المملك العربية السعودية قائمة مستخدمي الانترنت في العالم العربي الذي يصل تعداد سكانه الإجمالي حوالي 392 مليون عربي حسب توقعات رسمية في العام 2016 . ويبلغ عدد المرتبطين بالشبكة في العربية السعودية 14 مليون نسمة، من جملة 60 مليون نافذ عبر الانترنت التقليدية و 135 مليون مستخدم ينفذون من خلال 400 مليون جهاز جوال نافذ عربي إلى الشبكة. وترتيبها في ذلك  34 عالميا، فيحين تقبع تونس في المرتبة 66 دوليا بما عدد 4.557 مليون مستخدم للشبكة، قبل الكيان الصهيوني الذي يأتي في المرتبة 54، بـ5.5 مليون مستخدم من جملة 8.3 مليون نسمة وهم عدد سكان فلسطين المحتلة، وتبقى القومية العربية في هذا الكيان الأقل ارتباطا بالشبكة رغم أنهم يمثلون حوالي 1.658 مليون نسمة، أي بنسبة 20.7% من مجموع سكان الكيان.

2.6- خصوصية سهولة الاتصال والنقل والتوثيق: فخدمة البريد الإلكتروني مثلا تتيح من خلالها نقل ملايين الملفات والنصوص والصور والفيديوهات والوثائق خلال أقل من دقيقة لأي شخص في أطراف العالم، مع إمكانيات تخزين المعلومات وتوثيقها وتبويبها بكل سهولة وتنظيم، ناهيك عن بقية التطبيقات وتطويراتها.

3.6- خصوصية هيمنة اللغة الأنقليزية كلغة عالمية وإلكترونية: ساهم التفوق التكنولوجي والعلمي والتكنواتصالي والاقتصادي والسياسي الأمريكي في انتقال اللغة الإنجليزية من نطاقها المحلي إلى النطاق العالمي لتصبح لغة عالمية مفتاحا يتحدّثها العالم بأسره على اختلاف لغاته الأصلية. ورغم أن اللغة الصينية تعتبر الأكثر تحدثًا في العالم وقبل الإنجليزية فإن عدم عولمة هذه اللغة جعلها محدودة الانتشار في التعاملات العالمية، رغم استخداماتها وحضورها الإلكتروني لذلك تبقى الأنقليزية” اللغة المعيارية العالمية"، وهو ما تؤكده الإحصائيات من حيث استخدام اللغات عبر الإنترنت، إذ تأتي الأنقليزية في الطليعة بـ 430 مليون مستخدما، تليها الصينية بـ 270 مليون مستخدما، فالإسبانية كلغة إلكترونية ثالثة بـ 125 مليون مستخدما، ثم اللغة اليابانية رابعة بـ 94 مليون مستخدم، وفي المرتبة الخامسة اللغة الفرنسية بـحوالي 68 مليون مستخدما، وفي المرتبة السادسة اللغة الألمانية بحوالي 61 مليون مستخدما، أما اللغة العربية فمرتبة استخدامها الإلكتروني هي السابعة بـ 60 مليون مستخدما.

4.6- الحتمية التفاعلية لجماهير الشباب الافتراضي : لقد أدخلت إحداثات تكنولوجيات الاتصال والإعلام الجديدة والمتجددة على السرعة والدوام، تحولات عميقة وتغييرات جذرية على المفاهيم التقليدية لنظريات الإعلام السائدة المعتبرة بديهيات، وعلى جميع صنوف العلم و وحقول المعرفة. ويعتبر  دينيس ماكويل (D.Macquial) أن التفاعل يعدّ أحد الصفات الحتمية لوسائل الإعلام الجديدة فلقد انبنت على مقولات التفاعل والمشاركة في بناء المعرفة والمضامين. ولعل من بين المفاهيم التي خضعت لتعديلات واسعة شملت العناصر الجوهرية والفرعية، مفهوم الجمهور، أي جمهور وسائل الإعلام والاتصال، الذي تشكَّل على مدى ستة قرون تقريباً، منذ اختراع غوتنبرغ لحروف الطباعة المتحركة في القرن الخامس عشر الميلادي، أي على طول التاريخ الطبيعي لوسائل الإعلام الجماهيرية. هذه التحولات لا تعني ضرورة، إلغاء مفاهميا كليا وإحلالا مفاهميا جديدا، باعتبار أن العناصر المكونة لمفهوم الجمهور، من مثل التلقي المباشر للرسالة، وعلاقة الوجه للوجه بين القائم بالاتصال والجمهور، وانعدام الفواصل الزمنية والجغرافية بين زمان ومكان الإرسال والتلقي..

5.6-الهجرة الافتراضية للشباب: أصبح الشباب، عماد التغيير المنشود، يشكل ” قبيلة افتراضيةTribu virtuelle  لتنسيق مصالحه ومشروعاته المشتركة، والترويج لثقافة حمالة لقيم وأفكار ومشاعر جديدة، والدعوة إلى تغيير الأنظمة المستبدة وإحلال محلها أنظمة تنهض على أسس الديمقراطية التداولية أو التشاركية (بالاعتماد على أدبيات الالتزام من أبيات شعرية وأقوال مأثورة والكتابة على جدران الفايسبوك). ومما أهل الشباب إلى القيام بهذا الدور هو تمكنه من الوسائل التكنولوجية الجديدة، وقدرته على ترويج خطاب التغيير بدعامات متطورة وناجعة: الصحافة المواطنة، الصحافة الرقمية، شبكات التواصل الاجتماعي، الكتابة الجماعية، المدونات، المواقع… إن هذه الهجرة الافتراضية أدت إلى تنامي النشر الرقمي، وظهور أدباء جدد، وأجناس أدبية جديدة.

6.6 – الثقافة الرقمية مدخل لدمقْرطة الثقافة: تراهن الثقافة الجديدة على دمقْرطة المعرفة حتى لا تظل حكرا على فئات محدودة، وتمكين الجماهير العريضة من مواكبة مجتمع المعرفة والاستفادة من ثماره. ألا تؤثر الأمية، بمختلف تجلياتها، سلبا في الولوج إلى الثقافة والمعرفة؟ هل يعتبر تعامل العرب مع الانترنيت حدثا عابرا أم توجها استراتجيا؟ كيف يمكن للانترنيت أن يسهم في إكساب المواطنين تقاليد ديمقراطية ولم لا تأهيلهم إلى المساهمة في الديمقراطية الشبكيةCyberdémoctracie .. إن الدمقرطة الثقافية،علاوة على إمكاناتها لتغيير الذهنيان وأشكال الحكم والتواصل،أسهمت في تغيير وظيفة الأدب واستحداث أجناس أدبية جديدة: الرواية التشعبية  Hyperfiction، الرواية التفاعلية، الشعر الحي Poésie animée، الشعر بالفيديو Vidéopoésie. هل استوعب الأدباء العرب هذه التحولات أم أنهم مازالوا متشبثين بالوظيفة التقليدية للأدب؟ هل تؤشر هذه التحولات على ظهر أدب رقمي بمواصفات جديدة؟ هل يمكن لثقافة التغيير أن تسهم في استحداث أنماط جديدة من التفكير والعيش؟

7- الهجرة  الشبابية  الافتراضية: من الميديا التقليدية إلى  الميديا الجديدة

1.7-  الميديا الجديدة والاجتماعية: نموذجا التفاعلية والتشاركية الديمقراطية لثقافة الشباب الرقمي

أسهمت الثقافة الافتراضية التي أبدعها الفضاء الإلكتروني للإنترنت إلى قلب معادلة الجمهور من حالته السلبية المتأثرة والمتقبلة للفعل الميدياتيكي ومنجزاته الجاهزة، إلى حالة الفعل والتأثير في الميديا وصناعة المضامين ومحتويات الميديا، وهو ما أثمر ظهور معادلة جديدة تستبعد مفهوم الإعلام الجماهيري ولتؤسس لمفهوم إعلام الجماهير، الذي اعتلى بامتياز عرش الميديا الجديدة، التي أخذت تتشكل في ما يعرف بصحافة المواطنة، أو الصحافة البديلة أو التشاركية، مستفيدة في ذلك من مراحل تشكل الصحافة الإلكترونية على سبيل الشكل والتجلي، و منتفعة أيضا من فضاءات الميديا الاجتماعية social media  على سبيل الانتشار والتعميم و التفاعل النشيط. وتعددت مظاهر مشاركة الجمهور وتحركاته في الفضاء العام والمجال الإلكتروني بفضل الإمكانات الواسعة التي يتيحها الفضاء الافتراضي و تعدد مجالات التصرف في الفضاء وولوج تقنيات تكنواتصالية تراوح بين التجلي والتخفي، ومستفيدة أيضا من هوامش الحرية والديمقراطية التي بدأت تطبع الفضاء السياسي الذي عانق توقه الممارسة الديمقرطية بعد التفصّي من مستتبعات الكليانية ولواحقها، وهو ما انعكس على التوجهات الإعلامية الجديدة والاتجاهات البيداغوجية والمشاركة المدنية لما يعرف بـ”مجتمع المواطنين الأحرار” ومن أهم مظاهر التفاعلية والتشاركية الجديدة التي أتيحت للجماهير وأشكالها:

1.1.7– تفاعلية الوسائط الجديدة: يعتبر الانترنت النموذج الأول للنظام تفاعلي الإلكتروني بين الوسائط الجديدة. إذ بوسع المستخدمين   من خلال متابعاتهم ومشاهدتهم في الإبحار الإلكتروني، التعليق عليها، والإضافة والتصويب والنقد المساهمة الحرة. و يحدث هذا التفاعل على عدة مستويات ودرجات مختلفة من التواصل، مثل تفاعل المستخدم مع مستخدم آخر عبر الإنترنت، والميديا الاجتماعية، أو المواقع التفاعلية وغيرها. ويمكن التمييز بين مستويين من التفاعل الإلكتروني أحدهما “التفاعل المفتوح”  ويكون في مستوى برمجة الحاسوب وتطوير نظم وسائل الإعلام، بينما يقع التفاعل الثاني وهو “التفاعل المغلق” حينما يتم تحديد عناصر الدخول من قبل المستخدم. عبر كلمات السر واستخدام الأسماء المستعارة مفاتيح الدخول وغيرها . كما يرتبط التفاعل بوسائط الاتصال الجديدة عبر ألعاب الفيديو و تقنيات الدي في دي DVD والتلفزيون الرقمي هي أمثلة كلاسيكية لأجهزة الاتصال والإعلام التّفاعلية، حيث يتحكم المستخدم فيما يشاهده وفي الوقت المناسب له  .

2.1.7- صحافة المواطنة أم  صحافة الشباب؟

تعج مواقع الصحافة التشاركية بحضور شبابي لافت، فنحن هنا بصدد الحديث عن النشطاء أو الفاعلين مع أدوات الإنترنت الجديدة، وإذا أخذنا المدونين نماذج لهؤلاء النشطاء فيمكن توضيح أن أهم ما يميزهم هو الحرص على التعبير عن أنفسهم بحرية تامة، وبالطريقة التي تحلو لكل واحد منهم، وقضاء أغلب أوقاتهم أمام أجهزتهم المتصلة بالإنترنت، التي غالبا ما تكون في منازلهم، لسهولة الاتصال دون وقت محدد أو نظام معين يحد من استعمالهم للإنترنت. وذلك إلى جانب أنهم غالباً ما يكونون معارضين أو ساخطين على الأوضاع السياسية أو الاجتماعية الموجودة في الواقع، لذا فإنهم يجدون في أدوات الإنترنت الجديدة متنفساً لهم للتعبير عن تلك الآراء المعارضة. كما أنهم باتوا أكثر حرصا على التمكن من مهارة التعامل مع الإنترنت بصفة عامة وأدوات الإنترنت الجديدة لإيصال رسالتهم بشكل سريع وسهل. وغالباً ما يلجأ الشباب إلى التثقف والتعرف بشكل مستمر على مجريات الأمور في الساحة المحلية والعالمية، لمواكبة كافة التطورات والتعبير عن آرائهم فيها.

يمكن القول أن صحافة المواطن تسعى أكثر إلى إعادة الاعتبار والتمسك بسلة المثل التي تبشر بها الديمقراطية، وكيف أن المواطن بإمكانه أن يقرر مصيره ويحدد مستقبل أبنائه، ويختار نوعية الحياة التي يريدها، ومن خلال مشروعها لإنقاذ الديمقراطية، وبمعنى آخر تريد صحافة المواطن إنقاذ الاتصال والإعلام من آليات التوظيف والاحتكار. ويصبح ذلك ممكنا من خلال تفعيل الجدل والحوار الديمقراطي حتى يتمكن الناس- كل الناس- من تحديد مستقبلهم الفردي والجماعي بكل حرية وشفافية، وبعيدا عن كل أشكال الضغط والتلاعب. وستنجح صحافة المواطن عندما يدرك المواطن نفسه دوره الفعال والمؤثر في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي عبر صحافة تلتزم بالقيم والأخلاق بعيداً عن التجارة بمستقبل وحياة البشر، وهذا يعني نقل الحقيقة بموضوعية وعدم الانحياز إلى جانب على حساب الآخر، بمعنى الابتعاد عن التكهنات والآراء الشخصية المتعصبة لفكر أو أيديولوجية معينة .

3.1.7- تفاعلية شبابية عبر منصات الميديا الاجتماعية: تتميز شبكة الإنترنت بتمكين مستخدميها من التفاعل مع مصدر المعلومات، وهي خصيصة لم تحظ بها وسائل جماهرية أخرى سابقة على غرار التلفزيون الذي حول المشاهد إلى مجرد مستقبل غير مشارك في غالب البرامج. فالإنترنت يتيح لمستخدميه المشاركة التفاعلية والاستطلاعات والإدلاء بالرأي والنقاش العام، أو الخاص أي الدردشات(chating)  بشتى اللغات حتى التي نجهلها عبر الترجمان الآلي. فقد  كشفت مجلة  “محرك البحث”   International Journal of Engine Research” حجم النمو القياسي في مجال مواقع الميديا الاجتماعية، وبحسب المجلة، فإن عدد الحسابات النشطة على وسائل التواصل الاجتماعي تصل إلى 1.7 مليار حساب، من أصل 2.1 مليار حساب، في حين أن عدد المستخدمين للإنترنت يصل إلى 3 مليارات مستخدم، أي ما يعادل 45 بالمائة من إجمالي عدد سكان الأرض.

وحسب ذات المصدر فإن تطور استخدام الشبكات الاجتماعية في العام 2016 جاء كالتالي:

فيسبوك Facebook:  عدد المستخدمين النشطاء شهريا يصل إلى 1.55 مليار مستخدم، يقضون ما مجموعه 42 دقيقة يوميا من وقتهم على الموقع؛ منهم 71 % بالمائة في المدن و72 % بالمائة في الضواحي و69% بالمائة في الأرياف. ويشكل مستخدمو فيسبوك 47 % بالمائة من إجمالي مستخدمي الإنترنت، ويضغطون على زر “إعجاب” “لايك” 4.5 مليار مرة يوميا، وسجل الموقع 4 مليارات مشاهدة يوميا لتسجيلات الفيديو.

تويتر:Twitter  بلغ العدد الشهري للمستخدمين 316 مليونا، يقضون ما معدله 17 دقيقة يوميا، وشكلت نسبة الإناث 21 بالمائة، بينما الذكور 24 بالمائة، وزاد عدد مستخدمي تويتر عام 2015 بأكثر من 50 مليون مستخدم، ويتوقع أن يكون عددهم قد ازداد خلال عام 2015 بحدود 42 مليونا. وبحسب التوزيع الجغرافي ، تبين أن 25 % بالمائة منهم يقطنون في المدن و23 % بالمائة في الضواحي و17 % بالمائة في الأرياف.

إنستغرام:Instagram  عدد المستخدمين النشيطين شهريا 400 مليون، يقضون 21 دقيقة من يومهم على الموقع، تشكل النساء 49 %والذكور 51 %، عدد المرتبطين بالموقع عام 2015، 128 مليونا، وعدد النشطين يوميا يصل إلى 75 مليونا. أما التوزيع الجغرافي، يقطن في المدن 28 % بالمائة منهم، مقابل 26 % بالمائة في الضواحي، و19 % بالمائة في الأرياف.

غوغل بلس+ Google: عدد المستخدمين النشيطين 343 مليون مستخدم، يقضون ما معدله 7 دقائق من يومهم على تصفح الموقع، ويشكل الرجال 74 %، بينما الإناث 26 %. يحتوي الموقع على 2.2 مليار توصيف شخصي أو بروفايل، وغالبية المستخدمين في إندونيسيا والهند وفيتنام.

لينكد إين LinkedIn : عدد المستخدمين النشطين شهريا 97 مليونا يقضون ما معدله 10 دقائق يوميا في تصفح الموقع، نسبة المستخدمين الذكور 56 %، والإناث 44 %، ويتوزعون على النحو التالي: 32 %في المدن، و29 %في الضواحي و14 % في الأرياف. وبلغ عدد الصفحات التي تم تصفحها خلال الربع الثاني من عام 2015 نحو 35 مليون صفحة.

سناب شات Snapchat: عدد المستخدمين النشطين شهريا 200 مليون، يقضون 17 دقيقة يوميا في تصفح الموقع.أما توزيعهم حسب الجنس، فتبين أن 70 %من المستخدمين هم من الإناث، و30 %من الذكور، ونسبة طلبة المدارس والكليات والجامعات في الموقع تصل 77 %ونسبة المستخدمين في الفئة العمرية 13-24 تصل إلى 81%  عدد الفيديوهات التي تشاهد يوميا 4 مليارات فيديو، ويتم إرسال 400 مليون رسالة عبر الموقع.

ç حسب ذات المرجع فإن  الفئات العمرية لمستخدمي التواصل الاجتماعي تبقى ذات ارتفاع بين الناشئة وبخاصة الشباب، فإن 89 %من المستخدمين هم في الفئة العمرية 18-29، مقابل 82 % للفئة 30-49 ، و65 % للفئة 50-65 ، و49 % بالمائة لمن هم فوق 65 عاما .

8- أزمة الثقافة الافتراضية الجديدة للشباب:  من الحتمية التفاعلية إلى الإدمان التكنولوجي

إنّ ما يخفيه المستقبل بفعل التطور التكنولوجي والثورات المعرفية المتتالية يبدو أمرا مغريا بالاكتشاف من جهة، ولكنه أيضا يثير الخوف بعدم مقدرتنا على التّنبّوء والتّوقّع، ذلك أن مجتمعات العالم الثالث مثل المجتمع التونسي، تلاحق التكنولوجيات الحديثة وتستوردها ولكنّها لا تتحكّم فيما تأتي به من برامج أو برمجيّات، مما يسمح بمرور ثقافات دخيلة على الثقافة الأصيلة. والإدمان على الحواسيب والهواتف أصبح خطرا يهدّد بانفصال ما هو علائقي حقيقي عمّا هو علائقي افتراضي مع خروج الأم للعمل، وتقلص حضور الأب، فيصبح المحيط الإلكتروني أكثر فاعلية في تكوين شخصيّة النشء. إنّ السؤال الذي يطرح أمامنا بإلحاح يتمثل في ماذا ننتظر من الثقافة الافتراضية في علاقتها بالناشئة؟ وكيف يمكن للطفل في مختلف مراحل طفولته أن يستفيد إلى أقصى حدّ من هذه الثقافة الافتراضيّة الناتجة عن الثورة المعلوماتية ودونما انعكاسات سيئة ومسيئة له تنشويا خاصّة وأن : “الإرباك القادم في الممارسة الثقافية السائدة التي يعتبرها البعض ممارسة خارج المكان والزمان ممارسة تحتم تجديد وتجديد المشهد الثقافي في اتجاه أكثر ديناميّة، وإن التوجه نحو ديناميته جديدة للممارسة الثقافية، تقطع مع المساند والسائد في هذه الممارسات، يمنح المجتمعات الانتقالية مجالات أوجد لممارسات ثقافية انتقالية مجالا أرشد لممارسات ثقافية انتقال. أي بعبارة أدق ممارسة تقي الأجيال الصاعدة ولا سيما الشباب من سوء التعرض إلى الميديا  وسوء التعاطي مع الوسائط ومساوئ الوقوع في مخاطر الإدمان الإلكتروني أو الإدمان الافترضي أو إدمان الوسائط… ومهما تعددت المسميات فالواقع والحقيقة واحدة وهو إدمان التكنولوجي لا يقل أثرا وتهديدا عن الإدمان البيولوجي.

1.8- إدْمان الوسائط:

تبعا لما سبق ربما يستغرب البعض من استخدامنا لفظ  “الإدمان” مضافًا إلى “الشّاشة”  أو “التّلفزيون”، باعتبار أن حالات الإدمان غالبا ما تكون مرتبطة باستخدام مواد تدخل بدن الإنسان مثل المسكرات أوالمخدرات وغيرها من المنبهات والمسكّنات..، بيد أن عدداً من الدّراسات الإكلينيكية في العالم  في مجال الإدمان سبق أن  توصلت إلى أنه قد تنجم حالات إدمانية مرضية جراء استخدامات وسائطية Mediums  بشكل مفرط وطرائق غير سليمة تتصل خاصة بالشّاشة التّلفزية أو الهاتفية أوالكمبيوتر.. وما إليها من الوسائط والمنصات أو الحوامل الشاشوية.. لما ينشأ عن استخدامها المفرط من حالات السعادة والاعتماد والاستلاب والانسحاب وغيرها من الآثار النفسية والانعكاسات الاجتماعية ومعطّلات التواصل.. فهي إذن حالة من إساءة  الاستخدام الوسائطي abusing أو الاستعمال المفرط لتكنولوجيات الاتصال الشاشوي Overusing إلى درجة الاعتماد التّام Dépendance والإدمان Addiction ، مما يؤثر في الأداء الوظيفي الاعتيادي اليومي للشخص أسريا أو مهنيا أو علائقيا إذا ما وقع في هذه الدائرة الخطيرة التي يعدّ الأطفال والمراهقون والشباب أكثر الفئات العمرية تعرّضًا للعواقب الوخيمة لهذه المشكلة في أبعادها النفسية الاجتماعية والتربوية الهامة. إجمالا تتجه الدراسات العلمية الحديثة إلى أن الاستخدام المفرط للوسائل والوسائط هو “استعمال مرضي للتكنولوجيا الاتصالية ” يترتب عنه تصنيفه كأحد فروع الإدمان السلوكي الذي لا يقل خطورة عن الإدمان الكيميائي في نتائجه السلوكية وأبعاده النفسية وعواقبه الصحية ارتداداته الاجتماعية وآثاره العلائقية. وكما أن الأخصائية النفسية الأمريكية (كيمبرلي يونج ) كانت أول من أضاف الإدمان إلى الإفراط في اسخدام الإنترنات والتّعرض إليه في مؤتمر مؤسسات علماء النفس الأمريكيين المنعقد عام (1997) في دراستها التي أجرتها على حوالي (500) شخصا ممن يستخدمون الإنترنت بشكل مكثف،  الكاتبة الصحفية المتخصصة في الكتابة عن الأطفال والأسرة بمجلة نيويورك تايمز ماقازين  The New York Times Magazineh الأمريكية  “ماري وين “كانت بدورها أوّل من نسب فعل الإدمان إلى التلفزيون ونبّهت إلى أخطاره منذ 1972  في مؤلفها  “الأطفال والإدمان التلفزيوني” وجددت طبعه في العام 1993.

2.8-  المقاربة الثّقافية الاجتماعية للإدمان:

تربط هذه النظرية وقوع شخص تحت وطأة الإدمان بأسباب الثقافة الاجتماعية، ذلك أن الإدمان يختلف جندرِياّ حسب النّوع الاجتماعي (ذكر أو أنثى)، و يرتبط أيضا بالمرحلة العمرية وكذلك الحالة  المالية و الاقتصادية والانتماء العرقي و الدّيني والطّائفي والموطني. فمثلا تنتشر بعض أشكال الإدمان على غرار إدمان الخمور والكحوليات لدى الطبقات الاجتماعية المتوسطة أو قليلة الدخل المادي، ومازالت الدراسات رغم تعدد المبادرات البحثية في البيئة العربية والتّونسية إلى اليوم لم تحدد بصفة جلية الارتباط التلازمي بين إدمان الوسائط والانتماء الطبقي باعتبار ذيوع الوسائل والوسائط لدى شتى الطبقات الاجتماعية بدء من الهواتف الذكية التي توفر شتى الخدمات الإلكترونية.

3.8–  المقاربة السّلوكية للإدمان:

ينطلق هذا  المفهوم من نظرية المكافأة أو العقاب على السلوك  “التّشغيل المشروط” التي أسست لها  دراسات (بي إف سكيننر) ومثاله السلوك الخجلي الحاد لدى بعض الأطفال الذين يرفضون  الاحتكاك بأناس غرباء أو مجرد مقابلتهم ويجنبهم سلوكهم الانطوائي هذا الحوار والحديث إلى غرباء وكل قلق ناشئ عن أي مقابلات جديدة ويعد ذلك مكافأة له عن ذلك السلوك، وتحفيزا له على مواصلته تصرفه الهروبي إزاء أغراب آخرين مرات أخرى. هذا السلوك الهروبي مرتبط  بالإدمان وخصوصاً إدمان الوسائط، فإذا كانت المخدرات والقمار والمسكرات والتسوق وغيرها تقدم مكافئات هروبية من الواقع بينها والسّعادة والمغامرة والحبّ والتّحرر والإثارة والعاطفة والدّعة  المادية والمتعة… فإن الوسائط الحديثة تتيح لمستخدميها مشاعر اللّذة تلك وفي غياب الرقيب في الغالب.

4.8– المقاربات الطّبية البيولوجية والفيزيولوجية للإدمان:

يركز المفهوم الطبي على العوامل الخَلقية و الوراثية مثل الاختلالات الكروموزومية أو حالات الاختلال الكيميائي أو الهرموني في المُخّ والمستقبلات العصبية كمسببات رئيسية  عميقة للإدمان أو نقص أو زيادة في كيماويات على صلة  بأنشطة المخ أو الجهاز العصبي تلك المحددات تجعل  شخصا ما عرضة للإدمان دون غيره أو أكثر منه باعتبار دور العقاقير في ملء فراغات نقاط الاشتباك العصبي (Synaptic) لأعصاب المخ وتؤدي إلى خداع المخّ لإرسال معلومات خاطئة مثل العدو تطيح بصاحبها في واقع الارتباط بأنشطة وتعاطي العقاقير والمقامرة، وهو ما نستطيع سحبه على الإدمان الوسائطي القائم نشاطه على المتعة والإثارة.

5.8– الانبهار الوَسَائطي: تفسِير غرول ) Grohol إدمان الانترنت نموذجا).

مختلف المقاربات والتفسيرات والمفاهيم والفرضيات  السابقة لم تلامس مسألة إدمان الوسائط وفق خصائصها التكنولوجية والانفعالية والتفاعلية. لذا يمكن اعتبار تفسير غرول  Grohol  لظاهرة إدمان الانترنت (  Internet addiction أو cyber addiction )، كنموذج وسائطي انقيادي  من قبل المستخدمين الجدد الذين يبهرون بما تقدمه الإنترنت من خدمات تفاعلية سريعة ومبهرة فينجذبون إليها في بادئ الأمر على غير هدى، إلى أن يحددوا أولوياتهم في إستخدامها وما هي مناحي الإستفادة منها. ويقوم نموذج غرول للاستخدام المرضي للإنترنت المراحل الثلاثة التالية وهى: المرحلة الأولى: ويطلق عليها مرحلة “الاستحواذ أو الافتنان” “The Stage of Enchantment or Obsession  وهى تحدث عندما يكون الشخص وافدا جديدا ومجربا جديدا  للإنترنت أو مستخدما طارئا لنشاط  وسائطي  جديد فيقع في تغريرات الإبهار الإلكتروني. أما المرحلة الثانية: وهى مرحلة “التحرر من الوهم” Disillusionment Stage التي تلي مرحلة “الإدمان” حتى يبلغ المرء وضعا  يقل اهتمامه فيه بالنشاط على الإنترنت ويتحقق هذا بشكل كامل فى  المرحلة الثالثة: وهى مرحلة التوازن The Balance Stage وهى ترمز إلى الاستخدام الطبيعي للإنترنت ويتحقق هذا عندما يجد الشخص نشاطا جديدا مثيرا للاهتمام .

وتبقى الإحصائيات شحيحة الضابطة لحجم المدمنين الإلكترونيين في العالم في هذا الصدد. ويقدر حجم انتشار الإصابة بالإدمان بين الأمريكيين بما يشمل 200 ألف مصابا تقريبا، وهو رقم متواضع بالمقارنة مع نسبة انتشار الأمراض النفسانية الأخرى، ناهيك عن إدمان المسكرات والمخدّرات، كما أنّه متواضع بالمقارنة مع معدلات انتشار استخدام الشبكة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن توجد دراسات أمريكية أخرى تقدّر أن 17 % من مستخدمي الشبكة الأمريكيين مدمنون.أما في ألمانيا ورغم  أنه ليس من المعروف عدد المصابين بهذا النوع من الإدمان، إلاّ أن الخبراء في جامعة همبولدت بيرلين يقدرون إنّ عدد المدمنين في ألمانيا ضمن الفئة العمرية ما بين 15 إلى 17 عاما يصل إلى ما يتراوح ما بين( 2, 2% ) و ( 8,15%) بالمائة من أولئك الذين تم استطلاعهم. ويرى توماس هنرفوث Heffner وهو أخصائي علاج نفسي وخبير في العلاج السلوكي في ميتنبوخ في بافاريا أن الاستخدام المفرط للإنترنت يمكن أن يكون له أسباب طيبة مثل تكثيف البحث عن مشروع مدرسي، والإدمان يكون موجودا عندما يجد شخص صعوبة في الابتعاد عن الإنترنت والألعاب. وحسب إحصاءات كريستين باباستيفانو، وهي باحثة نفسية في شؤون الشباب والأسرة من مانهيم، فإنّ الأولاد  الذكور هم أكثر الفئات تأثّرًا .

عادة ما يكون الإدمان مرتبطًا باستخدام مواد تدخل جوف الإنسان مثل المسكرات والمخدرات. ولكن الحقيقة أن هناك عددا من الدراسات الإكلينيكية في مجال الإدمان قد توصلت إلى أنّه قد ينتج إدمان مرضي من جراء استخدام الإنترنت بطريقة غير سليمة. ومن هذه الدراسات، دراسة قامت بها الدكتورة كيمبرلي يونج الأخصائية النفسية في جامعة بتسييرج على حوالي 500 شخص ممن يستخدمون الإنترنت بشكل مكثف، بناء على عدد ساعات الاستخدام والتأثير الذي قد ينتجه الاستخدام المكثف على حياة الشخص الاجتماعية والعملية، ثمّ تصنيف من تمت عليهم الدراسة إلى صنفين، الصنف الأول هم ممن يقضون في المتوسط 38 ساعة أسبوعيا على استخدامات لاتمت لعملهم أو دراستهم. بالنسبة للطلاب – بصلة، حيث كان لهذا الاستخدام المكثف أثّر سلبي على إنتاجية المستخدم العملية أو الدراسية، وعلى حياتهم الاجتماعية. وقد تمّ وصفهم في هذه الدراسة بـ”مدمني إنترنت” والصنف الآخر هم الذين لا يستخدمون الإنترنت بنفس كثافة استخدام الصنف الأول ولم يكن لاستخدامهم أثر على حياتهم العملية أو الاجتماعية. وفي دراسة مماثلة أظهرت أن حوالي 80% من مدمني الإنترنت الذين يستخدمون الشبكة بما لا يقل عن 40 ساعة أسبوعيا فيما لا علاقة له بالعمل، لا يستطيعون النوم أكثر من 4 ساعات يوميا .

خاتمة        

إن البحث في موضوع الشباب ووسائطه الجديدة قد بات حتمية وضرورة لابد منها لأن الثورة التكنولوجية التي تعرفها المجتمعات تؤدي إلى تنوع في ثقافات الاستخدام بما فيها الثقافة الرقمية. أمام هذا التنوع يصبح للشباب مؤسسات افتراضية مختلفة تشارك وبقوة في تنشئتهم الاجتماعية، مما يهدد مرجعيتهم. وقد تمكنت العلوم الإنسانية وبخاصة علم الاجتماع الإعلام وعلوم الإعلام والاتصال -في العالم الغربي. في تقاطعاتها المجالية والمعرفية، من قطع شوط هام بذلت خلاله منذ بداية اشتغالها بالمشكلات الطارئة التي اندلفت فيها الإنسانية في مستهل القرن العشرين وما رافقه من حربين كونيتين، فضلا التفجّرات المعرفية والابتكارات التكنولوجية، في تحديد موضوعاتها وتعريف ظواهرها وصياغة مفاهيمها ومصطلحاتها وقد أرست مناهجها وأساليبها الإجرائية كالتحليلات الرياضية والمناهج الإحصائية والقياسات العددية والوسائل الأمبيريقية والتجربة الميدانية والعينة التجريبية والعينة الضابطة والاستبار وقائمات الاستبيان وكشف الأسئلة واستمارة المقابلة والملاحظة والمشاهدة بالمشاركة.. فضلا عن الأساليب الدقيقة لتحليل وتنظيم واستخلاص به المعطيات..إلى آخر ما يُدرب عليه الباحثون تبعا لتخصصاتهم المختلفة من منهجيات إجرائية دقيقة أفضت بالك العلوم وبحوثها ودراساتها إلى محصلات جليلة الشأن لا تزال تفضي خصوصا مع تطور برمجيات الكمبيوتر الذي يسر السيطرة على جماع هائل من المعطيات الإمبيريقية التي يسرت لهذه العلوم والعلوم الإنسانية عموما العبور المنطقي والحقيقي “للعلم” بالمعنى الدقيق للكلمة  حيث أصبحت التربية على الميديا والتعليم الوسائطي علما يدرس وتربية تمارس وسلوك تخضع  له بانضباط جميع المستويات والأجيال كأفق حيوي للمرافقة الرقمية والتعاطي الميدياتيكي.

المصدر: الديمقراطي

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها