صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا تحوط صيني: تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي سياسة الإعدام الميداني للشهود على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟ لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟ بين الاستثمار والضبط: دوافع تباين علاقة حكومات الشرق الأوسط بـ "مؤثري الويب" المياه الأفغانية وإيران: قرن من الصراع الخفي رهانات مزدوجة: حدود صمود الاقتصاد الروسي أمام هروب الشركات الغربية قوات "الدعم السريع" والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات تلاشي الطفرة: لماذا تراجعت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة من كورونا إلى أوكرانيا: لماذا تتفاقم أزمة التمويل الإنساني في الشرق الأوسط؟ التمدد الروسي في إفريقيا الوسطى تفكيك سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا زيارة هرتزوج لأنقرة: لا ضمانات لتحسن العلاقات الإسرائيلية- التركية قريباً

القسم : دراسات وابحاث
نشر بتاريخ : Sun, 02 Jan 2022 03:16:15 GMT
التنمية في قطر: رهان التحول من المحروقات إلى الطاقة النظيفة

اعتمدت قطر على مداخيلها الكبيرة من الطاقة في إنجاز تنمية اقتصادية واجتماعية سريعة واستثنائية، لكن الكلفة البيئية المرتفعة جعلتها تتجه نحو نموذج تنموي قائم على الطاقات النظيفة.

تعتبر قطر من بين الدول التي تهيمن على سوق الغاز المسال، وهي تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز تغطي حاجاتها لسنوات قادمة. ويعتمد اقتصاد قطر أساسًا على الإيرادات من الطاقة لتمويل النفقات العمومية وتنفيذ سياستها الاقتصادية على المدى المتوسط والطويل. لكن التطور التكنولوجي وبروز منافسين جدد في صناعة الغاز والتأثير البيئي للصناعة النفطية وضع قطر أمام العديد من التحديات، مما اقتضى جهودًا إضافية من صنَّاع القرار لتحقيق التنمية المستدامة المرجوة في قطر. وفعلًا قامت قطر بوضع استراتيجيات تنموية، من خلال رؤية قطر 2030، تهدف إلى رفع هذه التحديات ومواكبة التحول في مجال الطاقة. وتبرز هذه الاستراتيجيات من خلال توجهين رئيسيين، أولًا: سياسات متعلقة بكفاءة الطاقة والتي تتطلب استثمارات في تكنولوجيا أقل تلوثًا حيث ستلعب تكنولوجيا الغاز الطبيعي دورًا جوهريًّا في هذا التحول، وثانيًا: سياسات تتبنى استعمال الطاقة المتجددة. ويتجسد ذلك من خلال الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح والتي تُستخدم كبديل لتقليل الاعتماد على الطاقة الهيدروكربونية.

عمومًا، تخوض قطر مرحلة ستكون فيها سوق الطاقة معرضة للاضطرابات متكررة؛ حيث تتغير الطرق التقليدية لاستخراج الطاقة واستخدامها والمتاجرة فيها بسرعة وحيث لم تعد القواعد القديمة سارية.

تطور اقتصادي استثنائي

شهد الاقتصاد القطري تحولًا جذريًّا من اقتصاد يعتمد على صيد اللؤلؤ إلى اقتصاد يعتمد بشكل شبه كلي على النفط والغاز؛ حيث أصبحت قطر لاعبًا رئيسيًّا في أسواق الغاز الطبيعي المسال. ويشكِّل قطاع النفط والغاز حوالي 90% من إيرادات الصادرات. وبلغ إجمالي إيرادات قطاع النفط والغاز القطري خلال الربع الثالث من العام الجاري نحو 41.2 مليار ريال (نحو 11 مليار دولار)، بزيادة نسبتها 34.6 بالمئة مقارنة بالفترة المماثلة من سنة 2020. وقد ساعدت العوائد الضخمة للموارد الطبيعية على تحقيق مكاسب كبيرة في الدخل حيث تحسنت مستويات المعيشة في قطر بشكل كبير في العقود الأخيرة. وبلغ نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي 56.011 الف دولار في 2020 (بيانات البنك الدولي بالأسعار الثابتة لسنة 2015). وتخطِّط قطر لزيادة إنتاج الغاز الطبيعي بحلول منتصف عشرينات القرن الحالي مع اكتشاف احتياطيات كبيرة من الهيدروكربون. وتوفر هذه التطورات الاقتصادية الهائلة التي حققتها الدولة أساسًا متينًا لتحقيق التنمية في المدى الطويل. وبالفعل، قامت قطر باستثمارات كبيرة في الصحة والتعليم، مما انعكس إيجابيًّا على مؤشر التنمية البشرية. 

ولكن هذا النموذج الذي يعتمد في الغالب على قطاع النفط والغاز كمحرك أساسي للاقتصاد يجعل البلاد عرضة للكثير من التقلبات غير المتوقعة، وذلك للاعتبارات التالية: أولًا: العوائد النفطية مرتبطة بتقلبات الأسعار العالمية؛ فخلال السنوات الماضية وإثر الهبوط الحاد في أسعار النفط والغاز انخفض النمو الاقتصادي من 4.4٪، في عام 2013، إلى ما يُقدَّر بنحو 2.6٪، سنة 2020. كما سجَّلت البلاد عجزًا كبيرًا في الميزانية للمرة الأولى منذ 15 عامًا في سنة 2020. ثانيًا: الاعتماد بشكل مطلق على قطاع المحروقات لتحقيق نمو اقتصادي سريع له تأثيرات سلبية على البيئة؛ مما قد يؤدي إلى تقويض عملية التنمية المستدامة. فمن بين أهداف التنمية التي تسعى الحكومة القطرية لإنجازها، نجد مثلًا تحقيق الأمن المائي، والحفاظ على البيئة البحرية وحمايتها، والحد من الآثار طويلة الأجل لتغير المناخ؛ إذ إن قطر تعتبر من البلدان الأكثر تلوثًا في العالم من حيث الانبعاث الكربوني للفرد، ويعد قطاع الطاقة السبب الرئيسي لتلوث الهواء في قطر إذ يمثل أكثر من 90٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن النفط والغاز هما القطاعان المهيمنان على مزيج الطاقة المستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج الحرارة والنقل. ثالثًا: على الرغم من الاعتماد الكبير على عائدات الغاز الطبيعي والنفط، إلا أن هناك مخاوف من استنفاد موارد الوقود الأحفوري في المستقبل (رؤية قطر الوطنية: الأمانة العامة القطرية للتخطيط التنموي 2008).

وأمام هذه التحديات لتحقيق التنمية المستدامة، لابد من تحديد المعايير البيئية الضرورية، وسياسات الطاقة المناسبة لبلوغ الأهداف المرجوة. من بين العناصر التي ستساعد على تحقيق ذلك مبدأ الفصل بين النمو الاقتصادي واستهلاك الموارد الطاقية المحدودة، والذي يتطلب الانتقال إلى استعمال طاقة أقل تلوثًا. ففي السنوات الأخيرة، بذلت دولة قطر جهودًا للتحرك نحو بيئة مستدامة بوسائل مختلفة. وتشمل هذه الوسائل تشجيع الاستثمار في التكنولوجيا الجديدة وفي توسيع مرافق احتجاز الكربون وتخزينه لزيادة كفاءة إنتاج الطاقة، وتنويع مزيج الطاقة لإنتاج الكهرباء عن طريق زيادة الاستثمار في الموارد المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والوقود الحيوي.

 اقتصاد قائم على المحروقات

تتمتع قطر باقتصاد مزدهر؛ حيث تعتمد بشكل كبير على صادرات الغاز الطبيعي والمنتجات المصنَّعة من الغاز الطبيعي منخفض التكلفة، مثل الصلب والبتروكيماويات. وقد سجلت قطر متوسط معدل نمو اقتصادي تجاوز 15٪ خلال عشر السنوات الأخيرة، وذلك نتيجة للزيادة السريعة في صادرات الغاز الطبيعي المسال وارتفاع أسعار البترول. تعتبر قطر من بين الدول التي لديها أعلى نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي في العالم. لقد شهد البلد استثمارات ضخمة في البنية التحتية خلال هذه الفترة، مما أدى إلى ازدهار تشييد المباني والمصانع والطرق السريعة والموانئ ومرافق النقل. وعلى الرغم من أن الحكومة حافظت على مستويات عالية من الإنفاق الرأسمالي لمشاريع البنية التحتية الجارية، فقد أدى انخفاض أسعار النفط والغاز الطبيعي في السنوات الأخيرة إلى قيام الحكومة القطرية بمراجعة الإنفاق للحد من عجز ميزانيتها. وقد خفضت جائحة كورونا، وقبلها القيود التجارية التي فرضتها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر في عام 2017، معدل النمو الاقتصادي القطري، مما دفع قطر إلى إنشاء طرق تجارية جديدة مع دول أخرى للحفاظ على الوصول إلى الواردات والمحافظة على الاستقرار الاقتصادي. ومن المرجح أن يستمر اعتماد قطر على النفط والغاز الطبيعي في المستقبل المنظور؛ إذ حسب بعض الإحصائيات، تتجاوز احتياطيات الغاز الطبيعي لقطر 25 تريليون متر مكعب أي تقريبًا 13٪ من الإجمالي العالمي، وثالث أكبر احتياطي في العالم. كما تشير الأرقام التقديرية إلى أن احتياطيات النفط تتجاوز حاجز 25 مليار برميل؛ مما يسمح للإنتاج بالاستمرار بالمستويات الحالية لأكثر من خمسين سنة قادمة. من جهة أخرى، استطاعت قطر أن تستثمر جزءًا من المكاسب التي حققتها من عوائد النفط والغاز الطبيعي لتعزيز القطاعات غير النفطية، مثل التصنيع والبناء والخدمات المالية؛ مما أدى إلى ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بشكل مطرد في السنوات الأخيرة إلى ما يزيد قليلًا عن نصف الإجمالي.

تحديات نموذج التنمية المستدامة

تُعرَّف التنمية المستدامة على أنها مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يأخذ بعين الاعتبار المشاكل البيئية. بمعنى آخر، لتحقيق التنمية المستدامة لابد للدولة من أن تسعى إلى تحسين ظروف معيشة جميع الناس دون زيادة استخدام الموارد الطبيعية إلى ما يتجاوز قدرة البيئة على التحمل، أي تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية والبيئية.

وقد أدركت دولة قطر ضرورة وضع رؤية تنموية تأخذ بعين الاعتبار عددًا من أبعاد التنمية المستدامة بما فيها البعد البيئي. وتشمل هذه التوجهات: ضرورة التحديث عبر اقتناء التكنولوجيات المتطورة، والعمل على خلق توازن بين الاحتياجات الحالية للمجتمع واحتياجاته في المستقبل، والتأسيس لمجتمع معرفي، وحماية البيئة وتنميتها. ولقد تبنَّت رؤية قطر الوطنية هذه التوجهات عندما جعلت هدفها الأساسي تحويل قطر في عام 2030 إلى دولة متقدمة قادرة على تحقيق التنمية المستدامة. تحدد رؤية قطر الوطنية 2030، وهي خارطة طريق تنموية لدولة قطر، النتائج والأهداف طويلة المدى التي تعمل الدولة على تحقيقها. تعتمد دولة قطر في رؤيتها التنموية طويلة الأجل على أربعة أسس متلازمة: التنمية البشرية، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والتنمية البيئية. وقد مضى على اعتماد رؤية قطر الوطنية عقد من الزمن، وجرى إعداد سلسلة خطط استراتيجية لتحقيق الأهداف الموضوعة للرؤية. فبعد مرور 12 سنة لا تزال التحديات أمام تحقيق التنمية المستدامة بشقيها، الاقتصادي والبيئي، قائمة وبقوة على أكثر من صعيد، وبوجه خاص في قضايا التوسع الاقتصادي، والقدرة على الحفاظ على الموارد الطبيعية بما يطيل أمد استخدامها، وبما يحفظ حقوق الأجيال القادمة فيها. فعلى الرغم من أن الاقتصاد القطري يعتمد بشكل كبير على عائدات الغاز الطبيعي والنفط، إلا أن هناك مخاوف من أن موارد البلد من المحروقات يمكن أن تنضب بسرعة في المستقبل (رؤية قطر الوطنية: الأمانة العامة القطرية للتخطيط التنموي 2008). تشير بعض التقديرات إلى أن احتياطيات قطر النفطية سيتم استنزافها بحلول عام 2050. من جهة أخرى، أدى النمو الهائل لقطاعات النفط والغاز، والزيادة الهائلة في الطلب على الطاقة، إلى تجديد المخاوف بشأن جودة البيئة في قطر. فقد زادت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وتلوث الهواء بسبب هذه العوامل، وقد أدى ذلك إلى تأثيرات مناخية مختلفة تتراوح بين ارتفاع مستويات سطح البحر، وزيادة ملوحة المياه الجوفية وإلى انخفاض جودة الهواء. كما أدى النمو الأخير في الطلب على الطاقة، وخاصة في الطلب على الكهرباء، إلى خلق مخاوف بيئية كبيرة في الدولة. ويشير العديد من التقارير إلى أن قطر تمتلك أعلى بصمة كربونية واستهلاك طاقة للفرد في العالم، ويجري إنتاج الكهرباء عن طريق محطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي باستعمال تكنولوجيا مضرَّة بالبيئة. كما تواجه قطر ندرة شديدة في المياه لافتقادها مصادر مائية عذبة؛ حيث يجري الحصول على غالبية المياه العذبة من خلال تحلية مياه البحر، وهي عملية تستهلك الطاقة بشكل مكثف.

كما توجد عوامل أخرى يمكن أن تؤثر على النموذج التنموي الذي وُضع في رؤية قطر 2030. لقد شهدت قطر خلال السنوات الماضية مستويات مرتفعة للنمو السكاني؛ إذ تجاوز عدد السكان 2 مليون نسمة؛ مما يستوجب زيادة مطردة في الإنفاق العام وتوسعًا عمرانيًّا على حساب المساحات الخضراء. ويشكِّل هذا التوسع تحديًا للدولة لأنه سيسبِّب استنفاد موارد الغاز والنفط في زمن قصير نسبيًّا، وستؤدي زيادة معدلات الإنتاج والاستهلاك إلى تناقص عمر الاحتياطيات بسرعة، وهو ما يشكِّل أحد التحديات التي نبَّهت إليها رؤية قطر الوطنية 2030.

على صعيد آخر، ورغم أن الاقتصاد القطري يتجه على الأغلب إلى تحقيق معدلات نمو معقولة، إلا أن الأوضاع العامة في الأسواق العالمية ليست مستقرة، حيث تمثل أسعار الطاقة أحد أبرز المخاطر الرئيسية والتي تؤثر سلبًا على الاقتصاد القطري، وقد شهدت مؤشرات أسعار النفط انخفاضات قياسية خاصة بين 2014 و2015، مما أدى إلى تقلبات سلبية في إيرادات الدولة. هناك أيضًا حالة من عدم اليقين في سوق الغاز المسال، خاصة مع مخاوف من حدوث تخمة في العرض مع بدء تدفق احتياطيات جديدة من أستراليا والولايات المتحدة؛ مما قد يهدد حصة قطر في السوق العالمية. بالإضافة إلى ذلك، قد تضطر قطر لرفع سعر الفائدة من أجل الحفاظ على ربط العملة؛ الأمر الذي من شأنه تشديد الظروف المالية المحلية وإعاقة الاستثمار والنشاط الخاص. ومع انخفاض أسعار المحروقات، فإن الالتزامات التعاقدية لاستضافة كأس العالم 2022 ستحد من قدرة قطر على كبح جماح الإنفاق الرأسمالي؛ مما يجعل الوضع المالي للدولة بعيدًا عن التوازن.

 الانتقال إلى اقتصاد الطاقة النظيفة

مما لا شك فيه أن تطور النشاط الصناعي الذي يعتمد بالأساس على الموارد النفطية قد أدى إلى اختلال في التوازن البيئي والبيولوجي. وأمام هذا التحدي البيئي، سنَّت الدولة قوانين تنظيمية وتشريعات هدفها إدارة أفضل للخدمات البيئية والمحافظة عليها. رسمت استراتيجيات التنمية الوطنية لدولة قطر 2011-2016 و2018-2022 أهدافًا موجهة نحو تقليل كثافة الطاقة في استهلاك الكهرباء من خلال حملات التوعية والإغلاق الموسمي. وفقًا للاستراتيجية المعلنة في الخطة التنموية لقطر، هناك حاجة لتحسين كفاءة التوليد الحراري، واعتماد تقنيات فعالة، ودمج الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة. تتماشى استراتيجية التنمية الوطنية الثانية 2018-2022 مع أهداف التنمية المستدامة. لم يحدث استبعاد القطاع الصناعي حيث بدأت شركة إكسون موبيل-قطر للبترول مشروعًا لإجراء مراجعة شاملة لوحدة المعالجة المسبقة لراس-غاز للغاز الطبيعي المسال ومحطات الخليج للغاز. وتهدف هذه المراجعة لرصد أداء المصنع لمعرفة ما إذا كانت هناك فرص لزيادة كفاءة المصنع والطاقة للحفاظ على الطاقة. كما أصبحت تكنولوجيا الغاز الطبيعي متقدمة، وهي فرصة لقطر لتحسين كفاءة إنتاج الطاقة. فمثلًا، يمكن تشغيل التوربينات الغازية اعتمادًا على الهيدروجين الأخضر الذي لا تصدر عنه أي انبعاثات كربونية. كما يمكن أيضًا للتوربينات الغازية الصناعية الاعتماد على الهيدروجين الأخضر كوقود بنسبة تصل إلى 60% بالإضافة للغاز الطبيعي.

 كما جرى إطلاق مركز كفاءة الطاقة المستدامة في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا في عام 2011 لدعم قطر في تحقيق استراتيجية التنمية المستدامة. وقامت منظمة الخليج للبحث والتطوير بالتعاون مع جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، بتطوير نظام تقييم الاستدامة في قطر. اعتمد هذا النظام تصنيف المباني الخضراء، والتي لديها أعلى حصة في كفاءة المياه، والطاقة، والموقع المستدام، وجودة البيئة الداخلية، والإدارة التشغيلية. تناولت مبادرات نظام تقييم الاستدامة جوانب الاستدامة المحلية حسب معايير تصميم المباني الخضراء وتطوير مؤشرات أداء الطاقة الخاصة بالمباني. وفي نفس الاتجاه، استهدفت الاستراتيجية الوطنية للتنمية أيضًا تغيير المواقف تجاه الحفاظ على الطاقة. تهدف الاستراتيجية إلى تبني ممارسات الحفاظ على الطاقة في المباني التجارية وتشجيع الملاك على أن يكونوا أكثر وعيًا بشؤون الاستدامة.

لم تنتهج الحكومة القطرية سياسة ردعية للحد من استهلاك الكهرباء، بل اعتمدت سياسة مزدوجة، فجعلت الكهرباء مجانية للكثيرين، لكن انتهجت سياسة توعوية وتعليمية لحث الناس على الحفاظ على الطاقة في المنازل. من المرجح أن يؤدي التعليم والمعلومات التي تعمل على تحسين وعي سكان قطر بالخطر والمخاطر على البيئة والصحة لاستخدام الوقود الأحفوري إلى تحسين كفاءة الطاقة. ففي السنوات الأخيرة، أطلقت كهرماء حملة وطنية للمحافظة على البيئة (ترشيد) لمدة 5 سنوات تحت شعار "حافظ على قطر نابضة، واستهلك بحكمة". ترتكز الحملة على السعي للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية من خلال ثلاثة أهداف رئيسية:

(1) زيادة الكفاءة في قطاعي الكهرباء والمياه.

(2) وقف الهدر والاستهلاك الطائش.

(3) تقليل استهلاك الكهرباء بنسبة 20٪ والمياه بنسبة 35٪ خلال فترة خمس سنوات.

استعمال الطاقة المتجددة

لقد شهد العالم منذ فترة تغيرًا جوهريًّا نحو إنتاج واستعمال طاقة صديقة للبيئة، لكن خبراء الطاقة متفقون على أن الطلب على النفط سيستمر في النمو على المدى المتوسط لكن بمعدلات أقل مما كان عليه في الماضي، وذلك بسبب المنافسة من مصادر الطاقة المتجددة. لذلك، من المتوقع أن الطلب في العقود المقبلة سيتغير، حيث تحل الطاقة المتجددة والوقود منخفض الكربون محل النفط، لاسيما في قطاع توليد الطاقة والنقل.

في السنوات الأخيرة، قامت دولة قطر ببذل جهود كبيرة لتحسين مستوى الاستدامة في البعد البيئي وذلك بوسائل مختلفة؛ إذ عززت قطر استعمال الطاقة المتجددة في مشاريع البنية التحتية الجديدة بمناسبة كأس العالم 2022. مثلًا، قامت الهيئة المشرفة على مشاريع كأس العالم بتجهيز كل ملاعب كأس العالم ومرافق التدريب والمناطق المخصصة للمشجعين بتكنولوجيا التبريد باستخدام الطاقة الشمسية للحفاظ على درجة الحرارة في معدل 27 درجة، وساعد استخدام هذا النوع من الطاقة في جعل المرافق الرياضية في قطر صديقة للبيئة بدون أي انبعاثات لغاز الكربون مع إمكانية التحكم في مناخ هذه الملاعب. وتوقع تقرير نشره موقع شبكة (رابيد نيوز)، أن تنمو سوق الطاقة المتجددة في قطر بمعدل نمو سنوي حوالي 20% ليصل لحوالي 73 مليار ريال بحلول 2022، في الوقت الذي حقق فيه القطاع نموًّا جيدًا مدفوعًا بتركيز الحكومة على الاستثمار في الطاقة الشمسية.

وخلال الأعوام الأخيرة، ركزت قطر بصورة كبيرة على إقامة مشروعات الطاقة الشمسية وأيضًا طاقة الرياح للاستفادة من مناخها وموقعها. وتلعب شركة قطر لتقنيات الطاقة الشمسية، دورًا كبيرًا في هذا التحول عبر إمكاناتها المختلفة، وسعيها إلى التسريع بعملية التحول في الطاقة؛ حيث تسعى هذه الشركة لتوليد الطاقة من خلال إنتاج البولي سيليكون عالي الجودة بهدف تلبية الطلب العالمي المتزايد على مصادر الطاقة الشمسية. وتعزيزًا للشراكة بين مختلف الفاعلين في مجال الطاقة، أسَّست كل من قطر للبترول وشركة الكهرباء والماء القطرية مشروع "سراج للطاقة" لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، تمتلك شركة الكهرباء والماء القطرية 60% منه بينما تمتلك قطر للبترول 40% من حصص شركة المشروع.

خاتمة

تعتمد قطر في تنميتها الاقتصادية على إيراداتها من النفط والغاز؛ حيث يمثل القطاع النفطي النسبة الأعلى في الناتج المحلي الإجمالي القطر وتتصدر البلاد قائمة البلدان الأعلى دخلًا في العالم. لكن هذا النمو الهائل يواجه تحديات حقيقية في مسار البلاد نحو تنمية مستدامة. فقطر مصنَّفة ضمن البلدان الأكثر تلوثًا في العالم ويشهد البعد البيئي فيها خللًا يحتاج إلى سياسات سريعة وفعالة. ولقد قامت دولة قطر بوضع خريطة تنموية من خلال رؤيتها 2030 للحد من الآثار السلبية على البيئة. بصفة عامة، تجسدت هذه القرارات من خلال سياسة التحول نحو استعمال الطاقة النظيفة وذلك عبر تحسين الكفاءة في إنتاج الطاقة أو عبر استعمال الطاقة المتجددة. ستحتاج قطر إلى تبنِّي تقنيات جديدة وإيجاد الحلول المناسبة التي ستسمح لها بمواصلة إنتاج النفط والغاز مع تقليل البصمة الكربونية للصناعة التي تدعم اقتصادها في المستقبل. فالعالم يشهد تحولًا سريعًا في مجال الطاقة من حيث كيفية الاستهلاك والإنتاج. لذلك، فإن نموذج الطاقة المستقبلي سيتحدد من خلال نمط هذا التحول. ومما لا شك فيه أن التحرك نحو مصادر طاقة نظيفة سيضمن للأجيال في المستقبل تنمية أكثر استدامة.

المصدر: الجزيرة

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها