تعقيدات ضاغطة: تأثيرات الحرب الأوكرانية على مسارات الصراعات في الشرق الأوسط سياسات عامة لنهضة اقتصادية مستدامة مؤتمر مراكش: خطة جديدة للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في إفريقيا صفقة مُحتملة: دوافع اعتراض تركيا على انضمام السويد وفنلندا لحلف "الناتو" صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا تحوط صيني: تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي سياسة الإعدام الميداني للشهود على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟ لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟ بين الاستثمار والضبط: دوافع تباين علاقة حكومات الشرق الأوسط بـ "مؤثري الويب" المياه الأفغانية وإيران: قرن من الصراع الخفي رهانات مزدوجة: حدود صمود الاقتصاد الروسي أمام هروب الشركات الغربية قوات "الدعم السريع" والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات تلاشي الطفرة: لماذا تراجعت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة

القسم : حوارات وتحليلات
نشر بتاريخ : Wed, 16 Mar 2022 07:45:44 GMT
تفكيك سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا

مع تعدد حالات الانقلابات التي شهدتها القارة الأفريقية في الأعوام الخمسة الأخيرة، تبنت العديد من التحليلات سردية تقوم على فكرة مركزية مفادها "عودة الانقلابات" للقارة الأفريقية في موجة جديدة تشابه ما شهدته القارة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. وعلى الرغم من الرواج الكبير لهذه السردية على المستويين الإعلامي والأكاديمي، إلا أنها بحاجة لقدرٍ كبيرٍ من المراجعة وربما التفكيك للوقوف على مواطن صحتها وخطأها كذلك، خاصة إذا ما تم الدفع بهذه السردية لتكون أساساً لاستجابة إقليمية ودولية لأزمات سياسية متعددة الأبعاد تشهدها العديد من الدول الأفريقية. ويمكن تفكيك هذه السردية من خلال معالجة أولية لمفهوم الانقلابات نفسه، قبل محاولة تقدير هذه "العودة" من الناحية الكمية، ثم فهم طبيعة انتشارها الجغرافي، تمهيداً لتفسير أسباب وقوعها في الوقت الراهن.

تعددية مفاهيمية

من بين المشكلات الأساسية التي تعتري سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا، ما يتصل بالاستخدام المفرط لمفهوم الانقلابات نفسه على نحو يضم حالات متباينة بين تلك التي شهدت ترتيبات منتظمة على قدرٍ كبيرٍ من المؤسسية بين القيادات السياسية والعسكرية كحالة زيمبابوي في عام 2017، وحالات أخرى استجابت فيها المؤسسة العسكرية لاحتجاجات شعبية واسعة كحالتي السودان في عام 2019 ومالي في عام 2020 للإطاحة بسلطة سياسية منتخبة، وثالثة شهدت إطاحة المؤسسة العسكرية بسلطة انتقالية وصلت موقعها بالتوافق دون انتخاب كحالة مالي في عام 2021، وأخيراً تلك التي قامت فيها وحدات فرعية متمردة من داخل المؤسسة العسكرية بالاستيلاء على قيادة المؤسسة العسكرية أولاً ثم السلطة السياسية على نحو ما شهدته حالتا غينيا وبوركينا فاسو عام 2021. ويساهم إغفال الفوارق الجوهرية بين هذه الحالات المتباينة عبر اختزالها جميعاً تحت فئة "الانقلابات" في خسارة الكثير من المضامين المرتبطة بفهم الظاهرة.

كذلك تخالف سردية "عودة الانقلابات" التقدم الأكاديمي الذي أحرزته أجيال متوالية من أدبيات العلاقات المدنية العسكرية في طرح مفاهيم أكثر دقة وتحديداً للتعامل مع الأنماط المتعددة لأدوار المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. فتدريجياً، بدأت الأدبيات المعنية بالعلاقات المدنية العسكرية في اقتراح مفاهيم بديلة أكثر ملاءمة من الناحية المنهجية والواقعية، يأتي في مقدمتها "التدخل العسكري"، باعتباره أكثر شمولاً، والمتضمن كافة أشكال تأثير المؤسسة العسكرية، والذي يقدم وحدة معيارية قابلة للقياس تمثل أداة فعالة للمقارنة بين الحالات على اختلافها. وقد ساهم ارتفاع القيمة التحليلية للمفهوم في ظهور مفهوم "التدخلية العسكرية" Military Interventionism كتيار متنامٍ في البلدان النامية حول العالم. كما قدمت كتابات عديدة بدائل مفاهيمية أخرى مثل "الانخراط العسكري" Military Engagement والذي يعني التدخل العسكري في السياسة، سواء كان بيد منتسبي المؤسسة العسكرية الرسمية أو "التقليدية"، أو بيد أي قوى عسكرية ذات طبيعة "خاصة" أو "غير تقليدية" وهو ما يتماشى مع الواقع المعقد القائم في بعض الحالات مثل الحالات الأفريقية.

ولا يقتصر هذا التطور على الجانب الأكاديمي فحسب. فعلى جانب الممارسة، ظهرت مفاهيم بديلة مثل الاستيلاء العسكري على السلطة Military Takeover والذي لجأت إليه الإدارة الأمريكية في توصيف القرارات التي اتخذها الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني في الخامس والعشرين من أكتوبر من عام 2021 والتي تضمنت إقالة مجلس الوزراء الانتقالي، وذلك بما أعفى الولايات المتحدة من التداعيات السلبية لتوصيف ما حدث في السودان بالانقلاب في وقت تحتاج فيه لبقاء عدد من قنوات التعاون مفتوحة لضمان مصالحها الاستراتيجية في واحدة من أكثر مناطق العالم التي تشهد تنافساً محتدماً بين عدد من القوى الدولية الكبرى والوسطى. 

قراءة في التواريخ

تتجسد المشكلة الأصلية في سردية "عودة الانقلابات" في أفريقيا في مصطلح "العودة" نفسه، حيث يشير ضمناً لظاهرة عادت لتتكرر في القارة الأفريقية بعد انقطاع، وهو ما لم يحدث على الإطلاق في التجربة الأفريقية. فعلى أرض الواقع، لم تشهد القارة الأفريقية انقطاعاً يذكر لظاهرة الانقلابات العسكرية، وهو الأمر الذي يتجاوز الافتراض الضمني بأن موجة التحول الديموقراطي التي مرت بها دول القارة الأفريقية تشكل خطاً فاصلاً بين حقبة الانقلابات وحقبة الحكم الديموقراطي. ففي الوقت الذي كانت فيه أكثر من خمس وثلاثين دولة أفريقية تمر بعمليات التحول الديموقراطي بمسارات شتى وبمعدلات متباينة من السرعة والعمق، شهدت الفترة بين عامي 1990 و1996 وقوع انقلابات ناجحة في كل من تشاد ومالي وليسوتو وسيراليون ونيجيريا وجامبيا وبوروندي والنيجر، جاء بعضها ليطلق مسار التحول الديموقراطي، بينما جاء البعض الآخر ليقطع عليه الطريق في بداياته المبكرة، لكن في المحصلة ظلت الانقلابات العسكرية تشكل واحدة من تقاليد السياسة الأفريقية حتى خلال فترات استقبال القارة ظواهر سياسية جديدة. ونجحت ظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا في الاستمرار دون انقطاع في الفترة بين عامي 2001 و2010 والتي شهدت خلالها القارة الأفريقية ستة انقلابات ناجحة، وهو العدد ذاته الذي شهدته الفترة بين عامي 2011 و2020، كما شهد عاما 2021 و2022 أربعة انقلابات في كل من تشاد ومالي وغينيا وبوركينا فاسو، الأمر الذي يشير لتسارع -محتمل- في وتيرة الانقلابات، لكنه لا يشير على الإطلاق إلى عودة بعد انقطاع.

ولا تقتصر أهمية تحليل البعد التاريخي للظاهرة على رصد تغير معدل وقوع الانقلابات العسكرية في أفريقيا، وإنما تمتد كذلك لتشمل التمييز بين الخصائص النوعية المتباينة بين أجيالها. فمن بين المشكلات الكامنة في سردية "عودة" الانقلابات العسكرية في أفريقيا ما تفترضه ضمناً من وحدة الظاهرة واتساقها عبر المراحل الزمنية المختلفة، وعجزها عن التطور كغيرها من الظواهر السياسية لتنتج أنماطاً جديدة أكثر مرونة وتكيفاً مع المتغيرات الداخلية والخارجية، على نحو يمكنها من الاستمرار لفترة أطول. إذ تشير التجربة الأفريقية إلى حقيقة مفادها أن نهاية الحرب الباردة قد مثلت نقطة فاصلة بين مرحلة كان العامل الخارجي والاستقطاب الأيديولوجي يلعب فيها الدور الأكبر في تحريك الانقلابات، وبين مرحلة باتت فيها العوامل الداخلية -وربما المحلية في بعض الأحيان- هي الدافع الأساسي للانقلابات.

فللقارة الأفريقية نصيب كبير من ظاهرة الانقلابات/الانقلابات المضادة التي كانت تستخدم كأداة فعالة من جانب القوتين الدوليتين الأكبر، حيث يؤرخ بالانقلاب الذي أطاح بالرئيس الغاني كوامي نكروما عام 1966 بداية ظاهرة الانقلابات في أفريقيا، وهو الانقلاب الذي تم بدعم وثيق من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا للتخلص من أحد أبرز رموز اليسار الأفريقي. وبالمثل تكررت ظاهرة الانقلابات الموالية للاتحاد السوفييتي في عدد من الدول الرئيسية في القارة بوصول ضباط ذوي توجهات يسارية للحكم كان من أبرزها حالة منجستو هيلي ماريام في إثيوبيا عام 1974. ولم يكن انتهاء الحرب الباردة كافياً لإنهاء ظاهرة الانقلابات في القارة الأفريقية، والتي فرضت أوضاعاً جديدة دفعت نحو استمرارها لتحقيق وظائف مختلفة عن خدمة الأجندات الدولية المتنافسة على أرض القارة الأفريقية. وبينما يعد "الجيل الجديد" للانقلابات في أفريقيا استمراراً للظاهرة التي شهدتها القارة قبل مرور أقل من عقد على استقلال غالبية دولها، يكشف هذا الجيل عن عدد من مظاهر التغير النوعي من حيث الهدف وهوية القائمين عليه وعلاقته بالقاعدة الشعبية تجعل من غير الموضوعي إغفال قدرة ظاهرة الانقلابات في أفريقيا على التطور وإعادة انتاج نفسها بآليات أكثر اتساقاً مع الواقع الجديد.

قراءة في الخرائط

لا تقل قراءة خرائط الانقلابات في أفريقيا أهمية عن قراءة تاريخ الظاهرة. فعلى مستوى التحليل الجغرافي لظاهرة الانقلابات في أفريقيا، يتضح اتجاهها نحو التركز في نطاق جغرافي أقل اتساعاً بمرور الوقت، ففي العقود الثلاثة التالية على استقلال غالبية الدول الأفريقية بدت ظاهرة الانقلابات عابرة للخصوصيات الإقليمية لتغطي أقاليم القارة بأسرها دون تمييز، لكن الانقلابات التي تلت الموجة الثالثة للتحول الديموقراطي في أفريقيا في تسعينيات القرن العشرين تركزت نسبياً في دول غرب أفريقيا، قبل أن تتركز بصورة أوضح في أحد أقاليمه الفرعية ممثلاً في إقليم الساحل الأفريقي.

فمن بين خمسة وعشرين انقلاباً ناجحاً شهدته القارة الأفريقية منذ عام 1990 وحتى الآن، وقع عشرون انقلاباً في دول غرب أفريقيا بواقع اثنا عشر انقلاباً في دول الساحل الأفريقي، وثمانية انقلابات في دول خليج غينيا. وعلى الرغم من استمرار الدائرتين الفرعيتين لإقليم غرب أفريقيا في التعرض لظاهرة الانقلابات حتى الوقت الراهن، يبدو معدل تكرار الانقلابات في دول الساحل الأفريقي متجهاً للتزايد بمرور الوقت، ففي تسعينيات القرن العشرين كان رصيد الساحل الأفريقي ثلاثة انقلابات، بينما كان رصيد دول خليج غينيا أربعة انقلابات، لكن السنوات التالية على عام 2010 كشفت عن وقوع ستة انقلابات في دول الساحل الأفريقي، مقابل انقلابان وقعا في دول خليج غينيا. بهذا تكشف التفاعلات في القارة الأفريقية عن تركز تدريجي للانقلابات العسكرية في غرب القارة الأفريقية، اتجه في السنوات الأخيرة ليتركز داخل هذا الإقليم في دول الساحل الأفريقي بصورة أكثر وضوحاً من غيره.

تأسيساً على هذه الحقائق، يكشف اتجاه النطاق الجغرافي لظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا عن عدد من العوامل التي تفسر استمرارها حتى الوقت الراهن. فبانحصار الظاهرة في نطاق ضيق تصبح الظاهرة أكثر تجذراً في بنية التفاعلات السياسية قصيرة الأمد بحيث تشكل الانقلابات حلاً مطروحاً لكل أزمة سياسية بغض النظر عن حجمها، وهو الأمر الذي يفسر تكرارها بوتيرة متسارعة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا، حيث شهدت هذه الدول انقلابات متتالية لم يفصل بينها سوى سنوات قليلة. وعلى جانب آخر يساهم ضيق النطاق الجغرافي للظاهرة في تيسير انتقالها من دولة لأخرى بأثر العدوى في ظل التقارب الجغرافي الكبير وتداخل المكونات الاجتماعية وتشابه الأوضاع السياسية إلى حد بعيد.

أسباب تصاعد ظاهرة الانقلابات

تؤكد المؤشرات الكمية أن عودة الانقلابات في أفريقيا لا يزال في طور المقولة القابلة للاختبار مع استمرار مراوحة الظاهرة في حدودها الكمية التقليدية التي شهدتها في العقدين الأخيرين، لكن مع ذلك يتعين القول بأن اللافت في الانقلابات التي شهدتها القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة كان سهولة وقوعها وإثمارها تحولات جذرية في بنية السلطة وتمكنها من فرض واقع جديد إقليمياً ودولياً. وربما ساهمت هذه السهولة النسبية في الإيحاء باتخاذ الظاهرة حجماً أكبر وتحولها لنمط متصاعد في عموم القارة. ويمكن تفسير هذه السهولة وفق متغيرات تتعلق بجانب "العرض" توضح أسباب تنامي دوافع المؤسسة العسكرية في العديد من دول القارة للإطاحة بسلطة قائمة، وأخرى تتعلق بجانب "الطلب" تكشف عن أسباب ما شهدته العديد من الحالات الأفريقية من دفع القوى السياسية المدنية المعارضة بهذا البديل والمساعدة على تثبيته في السلطة بعد وقوع الانقلاب.

فعلى جانب العرض، تتعدد المسببات الداخلية التي دفعت العديد من جيوش الدول الأفريقية للاشتباك المباشر مع الواقع السياسي، حيث تتضمن هذه الأسباب الواقع الأمني المضطرب الذي رفع كثيراً من أعباء القوات المسلحة ليفسر ارتفاع معدل الانقلابات في دول الساحل الأفريقي بوجه خاص، حيث تواجه منذ عام 2012 موجة شديدة العنف من تمدد الإرهاب ونشاط المجموعات الانفصالية المسلحة وضعت جيوش هذه الدول في وضع مواجهة مطولة مع مجموعة متنوعة من التنظيمات المناوئة للدولة، لم تتمتع فيها بالدعم الكافي من السلطة السياسية، الأمر الذي خلق حالة من السخط أدت لإسقاط الرئيس أمادو توماني توري في مالي عام 2012، قبل أن تؤدي لإسقاط الرئيس كابوري في بوركينا فاسو عام 2021. كما تظهر مشكلات داخلية أخرى من قبيل تعدد مراكز القيادة ودمج الوحدات شبه العسكرية في بنية المؤسسة العسكرية، والعجز المزمن عن معالجة ظاهرة التحيزات الإثنية في عمليتي التجنيد والترقي لتنضم لأسباب ارتفاع "العرض" من الانقلابات العسكرية في أفريقيا.

وبدوره، يشهد جانب الطلب على الانقلابات في أفريقيا ارتفاعاً ملحوظاً. فمن بين أبرز المظاهر التي شهدتها الحالات الأخيرة للانقلابات العسكرية في أفريقيا حجم الدعم الشعبي الكبير، وهو الأمر الذي يمكن إرجاعه لمجموعة من العوامل أبرزها الممارسات السلبية للحكومات المنتخبة بما في ذلك ضعف أدائها في معالجة القضايا الوطنية الكبرى كتحقيق الاستقرار ومكافحة الفساد، وتراجع دور الأحزاب السياسية كلاعب رئيسي يعمل على بلورة المصالح وتجميعها والتعبير عنها في صورة برامج متمايزة قابلة للتطبيق، وهو ما واكبه صعود لاعبين جدد يعملون وفق منطق مغاير كانوا أكثر تقبلاً -ودفعاً- في بعض الحالات لتدخل المؤسسة العسكرية لإعادة ضبط العملية السياسية من جديد. هذا بالإضافة إلى تلاقي الرغبة الشعبية مع التوجهات داخل المؤسسة العسكرية للتخلص من التداعيات السلبية لاستمرار عدد من رؤساء الدول الأفريقية في مواقعهم لفترة طويلة على نحو ما شهدته بوركينا فاسو من الانقلاب الذي أطاح ببليز كومباوري من الحكم في عام 2014 بعد سبعة وعشرين عاماً قضاها في الحكم، والانقلاب الذي أطاح بعمر البشير من الحكم في عام 2019 بعد ثلاثة عقود كاملة حكم خلالها السودان.

وتعد مالي حالة دالة على هذا النمط، حيث قادت مجموعة من الحركات المدنية المرتبطة برجل الدين المالي الإمام محمود ديكو حركة احتجاجية عارمة امتدت منذ مطلع يونيو من عام 2020 وصولاً إلى إسقاط المؤسسة العسكرية الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في منتصف أغسطس من العام نفسه، وذلك احتجاجاً على سياساته التي عمل من خلالها على محاصرة الأحزاب المعارضة، واعتماده الكبير على الوجود الفرنسي لتوفير الدعم العسكري والسياسي، فضلاً عما شاب ممارسات الحكومات المتعاقبة في سنوات رئاسته من مظاهر لغياب المساءلة. ولم يكن هذا التحول في الموقف الشعبي المالي من الرئيس كيتا بالأمر المفاجئ، حيث سبقه مؤشر بالغ الوضوح تمثل في تراجع معدلات المشاركة في الانتخابات الرئاسية من جانب المصوتين الماليين، ففي عام 2013 شارك في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية 49% من الناخبين المسجلين، و46% منهم في الجولة الثانية، وفي عام 2018 انخفضت النسبة -المحدودة أصلاً- إلى 43% في الجولة الأولى و34% في الجولة الثانية، على الرغم من ثبات هوية المرشحين الأساسيين في المرتين وهما الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا وزعيم المعارضة الراحل سومايلا سيسي. بهذا المنطق، يأتي تراجع ثقة المواطنين في نزاهة العملية السياسية وقدرتها على التعبير عن توجهاتهم بصورة صادقة ليفتح الباب أمام طيف واسع من الحلول البديلة من بينها الحلول المرتبطة بتدخل المؤسسة العسكرية.

ختاماً، لا تزال ظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا تشكل واحدة من الظواهر الاعتيادية المتكررة والتي لا تزال تحظى بدعم كبير من السياق السياسي والاجتماعي القائم في دول القارة، الأمر الذي يشير إلى استمرارها في المستقبل وفق معدلات قابلة للتغير. وعلى الرغم مما تثيره الظاهرة من مواقف أفريقية ودولية منددة، تبدو الاستجابات الرسمية القائمة على منطق العقوبات غير قادرة على تحقيق أي نجاح يذكر على أرض الواقع، حيث يستلزم تقييد ظاهرة الانقلابات العسكرية في أفريقيا معالجة مسبباتها الجذرية على جانبي العرض والطلب، بما في ذلك تلك المسببات التي تتعلق بالأوضاع القائمة داخل المؤسسة العسكرية، وتلك التي تتصل بالدعم المتزايد للظاهرة من جانب القوى السياسية والمدنية.

المصدر: الاهرام

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها