تعقيدات ضاغطة: تأثيرات الحرب الأوكرانية على مسارات الصراعات في الشرق الأوسط سياسات عامة لنهضة اقتصادية مستدامة مؤتمر مراكش: خطة جديدة للتحالف الدولي ضد تنظيم داعش في إفريقيا صفقة مُحتملة: دوافع اعتراض تركيا على انضمام السويد وفنلندا لحلف "الناتو" صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا تحوط صيني: تأثير العقوبات الأمريكية ضد روسيا على النظام المالي العالمي سياسة الإعدام الميداني للشهود على انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟ لماذا طالت الحرب الأوكرانية حتى الآن؟ بين الاستثمار والضبط: دوافع تباين علاقة حكومات الشرق الأوسط بـ "مؤثري الويب" المياه الأفغانية وإيران: قرن من الصراع الخفي رهانات مزدوجة: حدود صمود الاقتصاد الروسي أمام هروب الشركات الغربية قوات "الدعم السريع" والفترة الانتقالية في السودان: التعقيدات والتحديات تلاشي الطفرة: لماذا تراجعت القيمة السوقية لشركات التكنولوجيا الكبرى؟ الحرب الأوكرانية في شهرها الثاني: تبعات ثقيلة ومتغيرات مديدة

القسم : ثقافة سياسية
نشر بتاريخ : Fri, 13 May 2022 16:07:37 GMT
مع تتالي مؤشراتها: من المستفيدون والمتضررون من المصالحة الإثيوبية؟

رغم مؤشرات المصالحة التي يجري استكمال بنودها هناك معوقات تتشابك فيها العوامل الداخلية والإقليمية، منها الضغوط الاقتصادية التي ألجأت الحكومة الإثيوبية إلى التصالح فضلًا عن رغبة آبي أحمد في تهدئة جبهة التيغراي للتخلص من جيش تحرير أورومو المعارض.

نالت الحرب الإثيوبية اهتمامًا دوليًّا واسعًا يمكن تفسيره من خلال وضعها في مجموعة من السياقات: يعكس الأول ما شهده العقد الأخير من تحول القرن الإفريقي وبيئة البحر الأحمر إلى ساحة تنافس جيوستراتيجي لمجموعة من الفاعلين الدوليين والإقليميين، في حين يرتبط الثاني بالوزن الجيوسياسي المهم لإثيوبيا كأهم دول القرن، أما الثالث فمتعلق بكون أديس أبابا طرفًا في مجموعة من التوافقات، والصراعات أيضًا، التي اتخذت طابعًا إقليميًّا ودوليًّا.

وبالنظر إلى مصالحة محتملة بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير التيغراي ظهرت مؤشراتها في الفترة الماضية، ستحاول الورقة توضيح أهم الأطراف التي ستتأثر سلبيًّا أو إيجابيًّا بمجريات هذه المصالحة، سواء على مستوى الداخل الإثيوبي أو على الساحة الإقليمية والدولية.

1- مؤشرات نحو المصالحة

كان إعلان الحكومة الإثيوبية هدنة إنسانية في مارس/آذار الماضي بمنزلة أحد أهم المؤشرات على عملية تصالحية تجري خلف الأبواب المغلقة بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، حيث استجابت هذه الهدنة، رغم الملاحظات على إجراءاتها التنفيذية، لأحد مطالب الجبهة المتعلقة برفع سياسة الحصار عن إقليم تيغراي.

سبق ذلك مؤشرات مختلفة حول مسار تصالحي صدرت من كلا طرفي الصراع في البلاد؛ حيث أكد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، في رسالته إلى الإثيوبيين بمناسبة عيد الميلاد الإثيوبي، في 5 يناير/كانون الثاني الماضي، حاجة بلاده إلى المصالحة الوطنية لأن "من المسلَّم به أن إثيوبيا ستستفيد من المصالحة"، مضيفًا أنها "ربما لا تتضمن المنظمتين المصنَّفتين إرهابيتين من قبل الحكومة الإثيوبية" في إشارة إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وجيش تحرير أورومو.

رافق هذه الصيغة المواربة في الرسالة إفراج عن مجموعة من القادة السياسيين المعتقلين في إثيوبيا، ومنهم سبحت نقا، الأب الروحي للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، كما كان لافتًا أن قرار المحكمة العليا الإثيوبية بإطلاق سراحهم تضمن إسقاطًا لبعض التهم عن زعيم الجبهة المذكورة، دبرصيون جبريميكيل، أيضًا.

سبق هذا رسالة من دبرصيون إلى أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في 7 ديسمبر/كانون الأول 2021، تضمنت مجموعة من النقاط منها وقف إطلاق النار والبدء بعملية تفاوضية، كما تبع ذلك تصريحه لـ"بي بي سي"، في 28 يناير/كانون الثاني، بوجود "علامات تحسن" بعد اتصالات جرت بينهم وبين الحكومة الفيدرالية.

وفي سياق أعمَّ تأتي هذه التطورات بعد إقرار البرلمان الإثيوبي تشكيل مفوضية الحوار الوطني أواخر يناير/كانون الثاني 2021، والهادفة إلى إرساء أرضية مشتركة بشأن القضايا الخلافية "تمهد الطريق لتوافق وطني وتحافظ على وحدة البلاد"، وبينما أعلن المشرِّعون استبعاد كل من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وجيش تحرير أورومو من هذا الحوار فقد اعتبر العديد من المراقبين أن هذا الاستبعاد يلقي بظلال كثيفة حول فعالية مؤتمر المصالحة في إنجاز مراميه.

2- أطراف مستفيدة من المصالحة

أ- الإمارات

مثَّلت الإمارات العربية المتحدة أحد الداعمين المهمين لحكومة الدكتور آبي أحمد منذ انتخابه في 2018 حيث كان انفتاحها على إثيوبيا في إطار استراتيجيتها لتوسيع نفوذها واستثماراتها السياسية والاقتصادية في القرن الإفريقي، وهو ما يندرج ضمنه رعايتها لعملية السلام الإثيوبية-الإريترية.

بناء على هذا، فقد كان التخلص من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي مطلبًا رئيسيًّا لأبو ظبي يضمن لها تحقيق هدفين: الأول: تمهيد الطريق أمام أحمد للاستمرار في السلطة بعد انتهاء الفترة الانتقالية حيث كانت الجبهة أهم منافسيه السياسيين، والثاني: إزالة العائق الأخير أمام إكمال عملية السلام الإريترية الإثيوبية، المتجسد في الجبهة التي كانت تمانع وتماطل في إعادة الأراضي التي تحتلها.

عسكريًّا، تردد اسم الإمارات طرفًا فاعلًا في الحرب الإثيوبية في وقت مبكر بعد اندلاعها في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، من خلال مساهمتها بطائراتها المسيَّرة المنطلقة من قاعدتها العسكرية قرب مدينة عصب الإريترية، والتي كان لها الدور الأساسي في تحطيم العمود الفقري لقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وبعد تغير ميزان القوى منتصف العام الماضي أكدت العديد من التقارير استمرار الدعم العسكري الإماراتي للحكومة الإثيوبية.

وبناء على ما سبق، فإن أية مصالحة تتضمن مخرجاتها تحجيم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وتكفل لرئيس الوزراء الإثيوبي البقاء في السلطة ستضمن لأبو ظبي استدامة منظومة استثماراتها السياسية والاقتصادية التي كرستها خلال السنوات الماضية، ولاسيما بعد الموقف العدائي للتيغراي تجاهها نتيجة دعمها لرئيس الوزراء، آبي أحمد، قبل الحرب وبعدها.

ب- تركيا

كانت زيارة رئيس الوزراء الإثيوبي إلى أنقرة، في أغسطس/آب الماضي، انعطافة في مسار العلاقة التي شهدت حالة من الفتور تزامنت مع التصاعد اللافت للعلاقات الإماراتية-الإثيوبية؛ حيث أجبر ضغط الواقع العسكري آبي أحمد على اللجوء إلى أنقرة للحصول على الطائرات المسيرة التركية للتخلص من كابوس التيغراي وحلفائهم بعد أن كانوا يهددون باقتحام العاصمة.

مثَّلت إثيوبيا نقطة تتقاطع فيها المصالح التركية على أكثر من صعيد حيث تعتبر أنقرة ثاني أكبر مستثمر في إثيوبيا، كما أن للتحالف مع أديس أبابا أهمية جيوستراتيجية متعلقة بتنافسها مع القاهرة على الهيمنة في حوض النيل، بالإضافة إلى الدور المحوري لإثيوبيا في القوى العسكرية لمحاربة حركة الشباب المجاهدين المتطرفة التي أعلنت الحرب على أنقرة لدعمها حكومة الصومال؛ حيث يعد الأخير مركز الثقل للنفوذ الجيوستراتيجي التركي في القرن الإفريقي.

ضمن هذا المنظور، تعد أنقرة أحد الرابحين من المصالحة الإثيوبية التي تضمن بقاء آبي أحمد على رأس السلطة؛ حيث اكتسب السلاح التركي سمعة ممتازة في السوق العسكرية الأمنية الإفريقية بعد أن أثبت نجاحه في ساحة حرب إفريقية، كما أنها ستمنح أنقرة فرصة المساهمة في إعادة تأهيل الجيش الإثيوبي تسليحًا وتدريبًا بعد الحرب؛ ما يعني نفوذًا أكبر لأنقرة مستقبلًا، وشراكات أمنية في مجالات مختلفة.

بالإضافة إلى أن مساهمة الدعم التركي في تحقيق انتصارات الحكومة الإثيوبية ستفسح المجال لشركات الإنشاء والبناء التركية للمساهمة في إعادة بناء وإعمار البنى التحتية والمناطق التي دمرتها المعارك.

ج- روسيا والصين

شهدت شهور الحرب الإثيوبية تسارعًا متزايدًا في مسار تطوير علاقات أديس أبابا بكل من موسكو وبكين، وهو ما يمكن عزوه إلى المقاربة التي اتبعتها إدارة الرئيس جو بايدن في معالجة الأزمة الإثيوبية، حيث تتهم حكومة أحمد واشنطن بالانحياز إلى جانب التيغراي وباتباع نهج يقوم على الضغوط المستمرة عليها لدفعها نحو طاولة التفاوض مع الجبهة.

هذا التوتر بين أديس أبابا وواشنطن التقطته الصين لتعزيز نفوذها في القرن الإفريقي؛ حيث أعلن وزير خارجيتها، وانغ يي، في زيارة له إلى إثيوبيا، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ثقة ودعم بلاده للحكومة الإثيوبية برئاسة آبي أحمد، ورفضها "أية محاولة للتدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا".

سبق ذلك توقيع أديس أبابا وبكين مذكرة تفاهم، في مارس/آذار 2021، تضمنت إقامة آلية حماية لأمن المشروعات الرئيسية في إطار مبادرة الحزام والطريق في إثيوبيا، وهو ما يتجاوز البعد الاقتصادي في العلاقات بين البلدين إلى الأمني، وتلا ذلك تعيين بكين مبعوثها للقرن الإفريقي "للتغلب على التحديات الأمنية في المنطقة".

في سياق مواز، صرَّحت مارثا ليويج، وزيرة الدولة للشؤون المالية في قوة الدفاع الوطني الإثيوبية، بأن الحكومة الروسية قدمت دعمًا لإثيوبيا خلال عملية تطبيق القانون في ولاية تيغراي باعتبارها قضية شأن داخلي، كما أعلنت موقفها المؤيد لإثيوبيا في مختلف القضايا والساحات الدولية ومن ضمنها الانتخابات العامة الإثيوبية التي عُقدت في يونيو/حزيران الماضي.

وفي يوليو/تموز، وقعت أديس أبابا وموسكو اتفاقية تعاون عسكري وصفتها الوزيرة لويج بأنها ستكون لها أهمية قصوى في تحويل العلاقات طويلة الأمد بين البلدين إلى مستوى أعلى.

3- أطراف متضررة من المصالحة

أ- إريتريا

تقف إريتريا في مقدمة الأطراف المتأثرة بأي تطور في إثيوبيا، بسبب التحالف العميق بين الرئيس الإريتري، آسياس أفورقي، ورئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الذي تجاوز البلدين إلى محاولة صياغة سياسية جديدة للقرن الإفريقي من خلال التحالف الثلاثي الذي ضمَّهما مع الصومال.

ولذا، فقد وجدت بوادر المصالحة القادمة من أديس أبابا صدى مباشرًا في أسمرة؛ حيث أجرى أفورقي مقابلة مطولة مع التليفزيون المحلي، في 8 يناير/كانون الثاني، تناول فيها بشكل مستفيض الأوضاع الإثيوبية، وكان من اللافت بث المقابلة بعد يومين فقط من دعوة رئيس الوزراء الإثيوبي للمصالحة.

شدَّد أفورقي في المقابلة على أن "التباهي بالمفاوضات كأجندة تكتيكية لن يخدم مصلحة السلام والاستقرار الإقليميين"، ووصف الانسحاب من تيغراي صيف العام الماضي بالمغامرة التي يجب ألا تتكرر، متوسعًا في شرح رؤيته لخطر الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على المنطقة عمومًا.

المخاوف الإريترية مرتبطة بالعداء العميق بين النظام الإريتري والجبهة المذكورة، على إثر الحرب الحدودية الإريترية-الإثيوبية الدامية (1998-2000) وروح الانتقام التي خلَّفتها لدى الطرفين؛ حيث كانت عاملًا في تحالف أفورقي وأحمد لاستهدف التيغراي حيث رجحت القوات الإريترية كفة القوات الفيدرالية في الجولة الأولى من الحرب، كما أسهمت في صد هجوم التيغراي على الإقليم العفري وفي تأمين جبهة الحمرة الاستراتيجية بما حال دون تقدم قوات التيغراي نحوها.

جزء من القلق الإريتري مرتبط أيضًا بالاتهامات المتكررة للجيش الإريتري بارتكاب انتهاكات مروعة في حق المدنيين بتيغراي. ورغم رفض أسمرة لهذه الاتهامات فإنها تتخوف من تحميلها القسط الأكبر من جرائم الحرب ضمن أية مصالحة إثيوبية، وأن يكون تفكيك تحالفها الاستراتيجي مع إثيوبيا ثمن المصالحة الذي تدفع قوى دولية نحوه، ولاسيما واشنطن التي تدهورت علاقاتها مع أسمرة على خلفية دورها في الحرب الإثيوبية، وهو ما يعمِّق مخاوف إريتريا من العودة إلى الحصار، وحالة "الدولة المنبوذة" التي عاشتها في الفترة 2009-2018، أو حتى محاولة تغيير النظام الحاكم.

ب- مصر

تتابع القاهرة بقلق تطورات الأحداث في إثيوبيا؛ حيث تعتبر من أكبر الخاسرين في أية مصالحة إثيوبية، بسبب صراعها المستمر مع أديس أبابا حول سد النهضة والهيمنة الجيوسياسية في وادي النيل.

أمَّلت القاهرة أن يؤدي استمرار الحرب الإثيوبية إلى التأثير سلبًا على الخطط المتعلقة بإكمال بناء السد بما يؤخر التداعيات المحتملة على الأمن المائي المصري، وإلى جانب الضغط الدولي فلربما كان من المأمول أن يجبر تطاول الصراع الحكومة الإثيوبية على العودة إلى طاولة المفاوضات بموقف أقل تشددًا.

الأمل المصري يبدو أنه يتلاشى بالنظر إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الأول يتعلق باحتمالات المصالحة الإثيوبية، والثاني مرتبط بأداء رئيس الوزراء الإثيوبي في ملف السد قبل وأثناء هذه الحرب؛ حيث أعلنت أديس أبابا مؤخرًا عن بدء توليد الطاقة الكهربائية من السد، وعن الاستعدادات للملء الثالث. في حين يرتبط العامل الثالث بالعداء الذي تعمق بين الطرفين، حيث يتهم المسؤولون الإثيوبيون مصر بدعم زعزعة الاستقرار في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المؤشرات على انفتاح إثيوبي على الخرطوم لا تحمل بشرى سارة للقاهرة التي تعتمد على السودان في تعزيز موقعها في المفاوضات الثلاثية حول سد النهضة؛ حيث تطورت روابطها مع الخرطوم بالتوازي مع تدهور العلاقات الإثيوبية-السودانية العام الماضي.

وعلى ضوء التطورات الإيجابية في العلاقات التركية-الإثيوبية، ستكون أنقرة أحد الفائزين من المصالحة الإثيوبية المحتملة، وهو ما سيؤدي إلى تكثف المنافسة بين أنقرة والقاهرة في شرق إفريقيا.

ج- الأمهرة

بالنظر إلى خريطة الصراعات الداخلية الإثيوبية يرجح أن يكون الأمهرة أبرز الرافضين المحتملين لأية عملية تصالحية بين الحكومة والتيغراي؛ حيث أصدر حزب أمهرة القومي بيانًا رفض فيه إطلاق سراح قادة التيغراي السابقين ووصف ذلك بالخطأ التاريخي الكبير، في حين طالب رئيس إقليم أمهرة، يلكأل كافالي، بأن لا يصرف إطلاق سراح هؤلاء القادة الانتباه عن حملة القضاء على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

ويُعزى هذا الموقف إلى العديد من العوامل من أهمها أن الحرب في إثيوبيا تضمنت تجليًا متجددًا للصراع التاريخي بين القوميتين على قيادة الحبشة، وصراعًا على الفلسفة الأنسب لإدارة التنوع في إثيوبيا حيث يتبنى التيغراي الفيدرالية العرقية في حين ينادي الأمهرة بالحكم المركزي، بجانب صراع بين الطرفين على تبعية بعض المناطق، لاسيما على الحدود بين إقليمي تيغراي وأمهرة.

يضاف إلى هذا أن الميليشيات الأمهرية كانت رأس الحربة في الهجوم الذي قامت به القوات الحكومية على معاقل التيغراي في بداية هذه الحرب؛ حيث وُجِّهت أصابع الاتهام لهذه الميليشيات بارتكاب جرائم مروعة بحق المدنيين التيغراي، وتكررت المطالبات الأميركية والدولية بانسحابها من الأراضي التي سيطرت عليها بعد انطلاق المعارك في نوفمبر/تشرين الثاني 2020.

من جهة أخرى، وبالنظر إلى أن الأمهرة مثَّلوا أهم حلفاء رئيس الوزراء طوال الفترة الماضية، فيبدو أن المؤشرات الصادرة عن أحمد تصب في الاعتماد بشكل أكبر في المرحلة القادمة على قومية الأورومو التي ينتمي إليها، وهو ما سيغيِّر توازنات القوى داخل البلاد، ويؤدي إلى تصدع محتمل لتحالف أحمد مع الأمهرة، أو تهديدهم بذلك على الأقل.

في هذا السياق، تضمنت قائمة القادة السياسيين الذين أُطلق سراحهم جوهر محمد وبيكلي جربا، وهما من زعماء الأورومو البارزين، ورغم المعارضة السياسية لهؤلاء القادة لأحمد فقد صدر بيان عنهم في 11 يناير/كانون الثاني الماضي يدعم المصالحة ويتضمن "دعوة جميع الأطراف إلى السعي لحل سلمي وتفاوضي للحروب الجارية".

وبذلك يكون إطلاق سراح هؤلاء القادة قد حقق حزمة أهداف لأحمد؛ أولًا: استرضاء شرائح واسعة من الأورومو الغاضبين من اعتقالهم، وثانيًا: الاستفادة من دعمهم للتوجه التصالحي الجديد من خلال تأثيرهم على قواعد الأورومو، في حين يرسخ أحمد دوره كالقائد الأكثر مقبولية لقيادة المرحلة، ويمهد الأرضية للحملة على جبهة تحرير أورومو، وهي تغيرات تعمق مخاوف الأمهرة المتعلقة بمكانتهم مستقبلًا ضمن ترتيبات البيت الداخلي الإثيوبي.

4- السودان والصومال: المنزلة بين المنزلتين

تبدو انعكاسات الخطوات الإثيوبية على كل من الخرطوم ومقديشو مربكة لهما؛ حيث يعيش البلدان أزمات سياسية داخلية عميقة نتيجة الانقلاب العسكري وتبعاته في السودان، وحالة الاستقطاب الحاد وهشاشة العملية السياسية في الصومال.

تعافي إثيوبيا من الحرب سيعيدها فاعلًا أمنيًّا أساسيًّا في الصومال؛ حيث شكَّلت القوات الإثيوبية مكونًا مهمًّا ضمن التشكيلات العسكرية لمحاربة جماعة الشباب المجاهدين الصومالية سواء بشكل منفرد أو ضمن القوات الإفريقية. وفي المقابل، يساور مقديشو القلق من أن يؤدي التدهور المحتمل للعلاقات الإثيوبية-الإريترية نتيجة المصالحة إلى عودة الصومال ساحة لتصفيات الحسابات بين الطرفين كما كانت عليه الحال قبل عام 2018.

في حين يبدو موقف الخرطوم أكثر تعقيدًا؛ حيث إن تطورات المصالحة الإثيوبية قد تعيد حليفًا قديمًا كالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي فاعلًا سياسيًّا نشطًا في الحياة السياسية لإثيوبيا، كما أن من المرجح أن تحمل في طياتها تراجعًا لدور الأمهرة في مركز اتخاذ القرار في أديس أبابا، وتناصب مجموعات قومية أمهرية السودان العداء على خلفية ادعاء تبعية منطقة الفشقة لإقليمهم.

غير أن الوجه الآخر يتمثل في احتمالات قيام ميليشيات أمهرية بالضغط على الحكومة الفيدرالية وخلط الأوراق، بالاعتداء على القوات السودانية في الفشقة، وهو مأزق قد لا يستطيع السودان الغارق في أزماته الحالية تحمل تبعاته.

خلاصة

رغم المؤشرات على مصالحة يجري العمل على استكمال بنودها فلا يزال أمامها الكثير من المعوقات التي تتشابك فيها العوامل الداخلية والإقليمية؛ حيث يرى بعض المراقبين أن الضغوط الاقتصادية ألجأت الحكومة الإثيوبية إلى إعلان الخطوات التصالحية وهو ما بدأ يؤتي ثماره بحصولها على منحة من البنك الدولي، كما أن هذا قد يرتبط برغبة أحمد في تهدئة جبهة التيغراي للتخلص من جيش تحرير أورومو المعارض.

يبرز في هذا السياق الموقف الإريتري؛ حيث تمتلك أسمرة أوراقًا مهمة للضغط على أديس أبابا ترتبط بشكل رئيسي بحضورها العسكري والأمني المساند للجيش الفيدرالي الإثيوبي، والذي تزداد الحاجة الإثيوبية إليه في ظل عملية مصالحة يزيدها هشاشةً ضعف ثقة طرفي الصراع الرئيسيين كل بالآخر.

كما أن لأسمرة روابط وثيقة بعدد من المجموعات والأحزاب الإثيوبية التي احتضنتها إريتريا ماديًّا وعسكريًّا إبَّان معارضتها لسيطرة التيغراي على السلطة في أديس أبابا، والتي عادت إلى البلاد بعد اعتلاء آبي أحمد سدة رئاسة الوزراء.

في حين يبدو أن المبادرة الإريترية لحل الأزمة في شرق السودان تندرج في محاولة أسمرة إعادة التوازن لعلاقاتها مع الخرطوم، تحسبًا لمجريات المصالحة الإثيوبية وما رافقها من مؤشرات الانفتاح الإثيوبي السوداني مؤخرًا.

إلى جانب هذا تزداد مؤشرات التقارب المستمر بين كل من إريتريا والأمهرة، ويبدو من المحتمل أن تسعى الأطراف القومية المتطرفة من الأمهرة إلى خلط الأوراق، باتخاذ خطوات قد تتضمن سعي الميليشيات الأمهرية إلى تسخين جبهة الحدود السودانية-الإثيوبية من خلال القيام بإجراءات عدائية تجاه القوات السودانية في منطقة الفشقة.

كما يبدو أن من المرجح في حال تطور مجريات المصالحة أن يعود الدفء إلى علاقات القاهرة وأسمرة التي اعتراها بعض الفتور عقب توقيع اتفاقيات السلام الإريترية-الإثيوبية، عام 2018.

في المقابل، من المرجح أن تنشط دبلوماسية الحلفاء المشتركين لإثيوبيا وإريتريا، كالإمارات وروسيا والصين، لاحتواء أي تدهور محتمل في علاقات البلدين.

يبرز في هذا السياق دور بكين؛ حيث تعد أسمرة وأديس أبابا من أبرز حلفائها في شرق إفريقيا بعد توقيع إريتريا اتفاقية انضمامها إلى مبادرة الحزام والطريق، ومن المرجح أن يسعى مبعوث بكين إلى القرن الإفريقي إلى صيغة تحول دون انزلاق إثيوبيا إلى أتون حرب مدمرة تهدد مصالح الصين التي تعد أكبر مستثمر أجنبي في البلاد من جهة، كما تضمن من جهة أخرى الحفاظ على علاقات "طبيعية" بين إريتريا وإثيوبيا، وهي مهمة في غاية الصعوبة بالنظر إلى الحساسية الإريترية الكبيرة تجاه المصالحة مع التيغراي.

وبينما لن يحمل فشل المصالحة الإثيوبية أي تغييرات كبيرة في مواقع الأطراف الفاعلة في المنطقة، فمن المتوقع أن يكون لنجاحها انعكاسات سلبية على القرن الإفريقي قد تدخله في حالة من عدم الاستقرار مشابهة لمرحلة ما قبل 2018 التي تميزت بحروب الوكالة بين كل من إثيوبيا وإريتريا على ساحات عدة أهمها الصومال، وهو نمط كلاسيكي معهود تاريخيًّا لمعالجة الأزمات بين دول القرن.

المصدر: الجزيرة

مناقشة المادة المنشورة :: التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز ، ولكنها تعبر عن اراء اصحابها